ـ[أبو الفداء]ــــــــ[10 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, صباحاً 08:21]ـ

بارك الله فيك، ينبغي تحرير المراد بالاحتمال، والتفريق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ..

فقولك:

الاحتمال لازم الظنهذا صحيح لغةً .. وأما اصطلاحا فالاحتمال عند الأصوليين أخص والمراد به في منطوق القاعدة إنما هو على الوجه الذي تقدم بيانه، والله أعلم.

أما قولك:

فهو أن الظن الذي عرّفتموه بأنه استدلال بلا قطع و لا جزم، يمكن أن تُسقط عليه القاعدة من باب أنه ضعيف و احتمالاته غير سليمة و لا مقبولة ـ كأن يكون سند الدليل ضعيف او وجه الاستدلال به مردود او غيره فغير صحيح، فإن القاعدة وإن كان منطوقها يوهم - لغة - بأن كل احتمال يبطل الاستدلال، فإنه ليس هذا هو المراد منها، كما جرى عليه فهم الأئمة وعمل أهل العلم .. وإنما المراد - كما تقدم بيانه - الاحتمالات المتكافئة التي يدفع بعضها بعضا فلا يبقى في الدليل من حجة لأحد من المتنازعين!

فإن الاحتمالات - سواء على المعنى اللغوي أو الاصطلاحي - كما تقدم تتفاوت في القوة، وما الترجيح إلا الحكم بغلبة أحد الاحتمالات (لغة أو اصطلاحا) على ما سواها .. وهذه هي صنعة الفقيه بالأساس! فعندما يكون الظن غالبا على صحة ما في كفة من الكفتين المحتملتين، لا يقال حينئذ إن هذا دليل ورد عليه الاحتمال فيبطل به الاستدلال، وإلا لم يسلم لنا دليل من احتمال يهدمه هدما ولم نتمكن من الترجيح بحال!! ما دام هناك من القرائن والدلائل ما يفيد قوة أحد الوجوه عند المجتهد فإنه يقول به، أما إن تساوت الاحتمالات في القوة ولم يجد الناظر ما يقوي به أيا منها، وأمكن لكل من المتنازعين في المسألة أن يستدل به - هو نفسه - لصالحه ويرد به على منازعه كما في المثال الذي ذكرته في المشاركة الآنفة، فإن الفقيه لا يجد بدا من إسقاط هذا الدليل والبحث عن غيره!

وللفائدة فإذا تأملنا في صنيع أهل الحديث في التصحيح والتضعيف، واعتبرنا المعنى اللغوي للاحتمال، فإن السند الموصوف بأنه صحيح (من غير تواتر أو إجماع منقول على صحته)، يكون احتمال صحته أقوى بأضعاف مضاعفة من احتمال ضعفه .. فهؤلاء قوم صادقون عدول ضابطون مشهود لهم بذلك، أخبر كل واحد منهم بأنه سمع من شيخه ما سمع، فمن المستبعد للغاية أن يكذب أحدهم، وكذا فإن احتمال أن يهم أحدهم أو يخطئ في نقل ما سمع = احتمال واهن بعيد للغاية فلا قيمة له والحالة هذه، ولا نقيم له وزنا إلا إن ظهر لنا ما يقويه من القرائن، كأن يثبت لنا أن أحد الرواة فيه ضعف من جهة الضبط مثلا، فحينئذ ننزل بمرتبة الحديث درجة لأن احتمال الاضطراب لم يعد مهملا كما كان من قبل، فإن لم يزل احتمال الصحة - مع هذا الجرح - أقوى وأظهر، وُصف الحديث بأنه في منزلة الحسن أو ما يقاربه، وصح الاحتجاج به ..

والحديث الضعيف في الحقيقة فيه - من حيث المعنى - كلا الاحتمالين كذلك = احتمال أن يكون النقلة قد صدقوا فيه وضبطوه كما يدّعون، واحتمال أن يكون قد فسد النقل لعلة من العلل، ولكن لأن احتمال الفساد فيه أرجح وأقوى، كان التضعيف والحكم بالمنع من الاحتجاج به هو المتعين ..

كل هذا بالجريان على المعنى اللغوي للاحتمال، إذ لا نرى أحدا من أهل صناعة الحديث يتكلم عن العلل بلفظة (احتمال) أو يقول إن هذا الحديث احتمال صحته أرجح أو احتمال ضعفه أغلب أو نحو ذلك .. مع أن هذا في الحقيقة هو معنى صنيعهم في النظر والترجيح، ولكن ليس هذا اصطلاحهم.

فالأصوليون لا يقصدون بالاحتمال في منطوق تلك القاعدة معناه اللغوي - الذي هو لازم معنى الظن كما تفضلتم - وإنما يقصدون الاحتمالات المتكافئة المتعارضة التي لا يبقى لأي من المتنازعين معها حجة في الدليل يمكنه الترجيح بها!

أرجو أن يكون قد زال الالتباس الآن واتضح الفرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للاحتمال، ومن ثمّ انضبط لديكم توجيه تلك القاعدة المهمة، والله الموفق.

ـ[أمة القادر]ــــــــ[10 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, مساء 11:11]ـ

جزاكم الله خير شيخنا و بارككم

قد تبيّن المقصود باذن الله، لكن اذا سمحتم .. في قولكم:

وإنما يقصدون الاحتمالات المتكافئة المتعارضة التي لا يبقى لأي من المتنازعين معها حجة في الدليل يمكنه الترجيح بها!

ما العمل في حال عدم ترجيح الدليل بأي حجة من حجج المتنازعين!؟

و زادكم الله علما و فقها

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[11 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, صباحاً 07:23]ـ

ما العمل في حال عدم ترجيح الدليل بأي حجة من حجج المتنازعين!؟

بارك الله فيك .. حينئذ يُستبعد هذا الدليل ويخرجه الناظرون من النزاع (فلا تكون له صفة الدليل أصلا بعدُ)، وينظرون في غيره من أدلة الباب. وهذا مفهوم قولنا "بطل به الاستدلال"، والله أعلم.

وينبغي ملاحظة أن الحكم على الدليل بمثل هذا = هو في ذاته أمر خاضع لنظر الفقيه واجتهاده، فقد يرجح لدى فقيه من الفقهاء إعمال هذا الدليل لقرينة ظهرت له ولم تظهر لمخالفه، فيعده الأول دليلا في الباب بينما يراه المخالف لا دلالة فيه لقوة الاحتمال. وهذا واضح في المثال الذي تقدم ذكره، فإن أبا داود أخرج هذا النص تحت تبويب يدل على استدلاله به على أن الأرض تطهر بجفافها (قال: باب في طهور الأرض إذا يبست)، مع أن هذا النص يرد عليه من الاحتمالات ما يبطل به هذا الاستدلال عند المخالفين (ينعي الاستدلال لأي من المذهبين)، وكفى باحتمال جهالة عين موضع النجاسة - ومن ثم استصحاب الطهارة الأصلية - لمقابلة هذا الاستدلال .. ولكن هكذا الفقه، يظهر لفقيه في النص ما لا يظهر لغيره، ويقوم النص دليلا عنده لما لا يقوم لمثله عند غيره، والله الموفق للصواب.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015