بارك الله فيك .. الظن هو الاستدلال بلا قطع أو جزم، وأما الاحتمال - اصطلاحا - فهو وجه من وجهين أو أكثر قد يصح أن يحمل عليها الدليل. وعليه فقد يكون الدليل الظني محتملا لأكثر من وجه في فهمه (بالنظر إلى المسألة محل الاستدلال)، وقد لا يكون كذلك، مع كونه ظنيا في جميع الأحوال (أي في استدلال الناظر به في هذا المحل كيفما كان) .. وقد تكون تلك الاحتمالات متفاوتة في القوة وقد تكون متساوية. فمعنى الظن أعمّ من معنى الاحتمال من هذه الجهة .. ولهذا جاءت القاعدة بالمنطوق: "إن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال" ولم تأت بلفظ: "إن الدليل إذا تطرق إليه الظن بطل به الاستدلال"! فاعتراض الشيخ الوادعي رحمه الله قد يصح لو كان منطوق القاعدة بلفظ (الظن) ولكن ليس كذلك!!

وهذا التفريق اصطلاحي محض، وإلا فالظن - من حيث المعنى اللغوي - يلزم منه ولا بد ورود احتمال البطلان مهما كان ذلك الاحتمال ضعيفا.

وبالمثال يتضح المقال.

/// في مسألة بول الكلب ونجاسته:

روى الإمام البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: " كانت الكلاب تبول، وتقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك"

فمما لا يحتاج إلى بيان أن لهذه الرواية تعلقا ظنيا بمسألتنا على أي حال .. فالسؤال الآن: هل يستدل بهذا الحديث على طهارة بول الكلب أو على نجاسته؟

قال الخطابي: "يُتأول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها، وتقبل وتُدبر في المسجد عابرةَ؛ إذ لا يحوز أن تترك الكلاب تنتابُ المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه، وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات باردة، ولم يكن على المسجد أبواب تمنع عبورها فيه ". اهـ

قلت: هذا احتمال قد تنتقض به دعوى طهارة بول الكلب، وإن كان يمكن الرد عليه بأن قوله "ولم يكونوا يرشون شيئا" وتبويب بعض أهل العلم للحديث تحت باب "طهور الأرض يبوسها" أو نحوه (بغض النظر عن صحة هذا المذهب إذ ليس هو محل نظرنا ههنا) = يبطل هذا التأويل ويرد هذا الاحتمال.

ونقول الظاهر أنها كانت تبول في المسجد ولكن هذا لا يستدل به على طهارة بول الكلاب لورود احتمالات أخرى:

/// قال العيني في شرح سنن أبي داود: " الظاهر أنها كانت تبول في المسجد؛ ولكنها تنشفُ وتيبَسُ فتطهُر، فلا يحتاج إلى رش الماء"

قلت: الاحتمال هنا مورده أن يكون الاستغناء عن رش الماء بسبب زوال صفة النجاسة بجفاف البول، وليس لكونه طاهر العين من الأصل! (وهذا وجه محتمل بغض النظر عن صحة هذا المذهب)

/// قال في عمدة القاري شرح البخاري: "وكان المسجد لم يكن يغلق وكانت تتردد وعساها كانت تبول إلا أن علم بولها فيه لم يكن عند النبي ولا عند اصحابه ولا عند الراوي أي موضع هو ولو كان علم لأمر بما أمر في بول الأعرابي فدل ذلك أن بول ما سواه في حكم النجاسة سواء " اهـ.

قلت الاحتمال هنا مورده الجهالة بموضع النجاسة بعينها مع الظن بوجودها، فإن الأصل الطهارة حتى يثبت خلافها، فإن لم يعرف موضع النجاسة استصحبنا الأصل: وهو الطهارة. فإن عُرف الموضع تعيينا وجب الغَسل! فهذا احتمال سائغ لوجه قوله رضي الله عنهما "ولم يكونوا يرشون شيئا".

/// وقال كذلك في عمدة القاري: "الأوجه في هذا أن يقال كان ذلك في ابتداء الإسلام على أصل الإباحة ثم ورد الأمر بتكريم المسجد وتطهيره وجعل الأبواب على المساجد" اهـ.

قلت وقد رجحه الحافظ ابن حجر كذلك، لعله يعضد هذا الاحتمال قول ابن عمر في احدى الروايات: "كنت فتى عزبا".

فمورد الاحتمال في ذلك أن يكون النص قد خرج من قائله قبل تمام التشريع.

فهذه أوجه محتملة لهذا النص فيما يتعلق بالمسألة المذكورة (نجاسة أو طهارة بول الكلب)، وكل واحد منها يوصف اصطلاحا بأنه احتمال، وليس بأنه (ظن) (مع أنه من حيث اللغة كذلك). وكل احتمال منها بحاجة إلى أدلة إضافية لتقويته على ما سواه ودفع الاحتمالات المخالفة حتى يستقيم الاستدلال (الظني) به لمذهب دون الآخر. فالحاصل أن هذا النص بمجرده لا يصلح دليلا لأي من الفريقين .. فجاز حينئذ أن تطبق هذه القاعدة على هذا المنطوق ويقال إن الاحتمال يبطل الاستدلال بهذا النص في هذه المسألة، فلا يكون أمامنا إلا إخراجه من محل النزاع رأسا، أو النظر فيما يمكن أن يعضد أحد الاحتمالات الواردة عليه.

ـ[أمة القادر]ــــــــ[10 - صلى الله عليه وسلمpr-2010, صباحاً 01:24]ـ

بسم الله و الحمد لله و بعد

شكر الله لكم شيخنا و أجزل لكم العطاء

و مما قرأته تبين لي مع قصر فهمي أن الاحتمال لازم الظن و فرعه الذي يتعدد لأن القطع ليس فيه احتمال أو هو واحد بوصف اخر .. ان كان كذلك، فالقاعدة تبطل بكلا اللفظين، و نقول أن الذي يحدث هو بطلان الاحتمال المرجوح و ثبوت الآخر الراجح ـ باعتبار الاختلاف السائغ ـ فهذا وجه فهمت منه شرحكم

و أما الوجه الآخر: فهو أن الظن الذي عرّفتموه بأنه استدلال بلا قطع و لا جزم، يمكن أن تُسقط عليه القاعدة من باب أنه ضعيف و احتمالاته غير سليمة و لا مقبولة ـ كأن يكون سند الدليل ضعيف او وجه الاستدلال به مردود او غيره ـ و هذا ينقضه أن لكل مسألة ظنية عدة احتمالات لا بد فيها من اسقاط و ترجيح .. و الله أعلم و أحكم

نرجو التصويب و الافادة و جزاكم الله خير

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015