وممن ذكر هذا الشرط الآمدي، وابن الحاجب، وقالا: لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما؛ لعدم التعذر، فإذا قال لا تعتق مكاتبا، لا تعتق مكاتبا كافرا (لم يعتق مكاتبا كافرا) ولا مسلما، إذ لو أعتق واحدا منهما لم يعمل بهما، وأما صاحب المحصول فسوى بين الأمر والنهي ورد عليه القرافي بمثل ما ذكره الآمدي، وابن حاجب، وأما الأصفهاني فتبع صاحب المحصول، وقال حمل المطلق على المقيد لا يختص بالأمر والنهي، بل يجري في جميع أقسام الكلام.
قال الزركشي: وقد يقال لا يتصور توارد المطلق والمقيد في جانب النفي والنهي، وما ذكروه من المثال إنما هو من قبيل أفراد بعض مدلول العام، وفيه ما تقدم من خلاف أبي ثور، فلا وجه لذكره هاهنا انتهى.
والحق: عدم الحمل في النفي والنهي، وممن اعتبر هذا الشرط ابن دقيق العيد، وجعله أيضا شرطا في بناء العام على الخاص.
(الشرط الرابع): أن لا يكون في جانب الإباحة. قال ابن دقيق العيد إن المطلق لا يحمل على المقيد في جانب الإباحة إذ لا تعارض بينهما وفي المطلق زيادة قال الزركشي وفيه نظر.
(الشرط الخامس): أن لا يمكن الجمع بينهما إلا بالحمل، فإن أمكن بغير إعمالهما [ص: 483] فإنه أولى من تعطيل ما دل عليه أحدهما، ذكره ابن الرفعة في المطلب.
(الشرط السادس): أن لا يكون المقيد ذكر معه قدر زائد يمكن أن يكون القيد لأجل ذلك القدر الزائد، فلا يحمل المطلق على المقيد هاهنا قطعا.
(الشرط السابع): أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل على ذلك فلا تقييد. اهـ
ما قاله الشوكاني رحمه لله في الشرط الثالث فيه نظر لأن النفي و النهي منه ما يفيد العموم و منه ما لا يفيد ذلك مثال ذلك: (لا نكاح إلا بولي) و (لا نكاح إلا بولي مرشد) فهذا من باب الاطلاق و التقييد لأن من شروط العموم الإستغراق إلا أن الاستغراق هنا هو في النكاح لا في شرط النكاح و ذلك لأن اللفظ جاء بالحصر اي يبطل كل نكاح بدون ولي فالولي شرط أدنى لذلك فالعمل بالنصين يقتضي حمل المطلق على المقيد فمن نكح بولي مرشد نكح بولي و من نكح بولي فقط فهو لم ينكح بولي مرشد قطعا.
ليس كل نهي من باب العام فإذا قلنا لا تعتق المكاتب و قلنا لا تعتق المكاتب الكافر، فلفظ المكاتب لا يدل قطعا على العموم لأنه قد تكون اللام لام العهد الذهني فمن أعتق مكاتبا مسلما فقد عمل بالنصين لأنه يطلق عليه أنه لم يعتق المكاتب و يصدق عليه أنه لم يعتق المكاتب الكافر.
المثال الذي ضربه الشوكاني دخل في العموم بأثر سياق اللفظ، قال الشيخ الفوزان في شرحه على الورقات: الفارق بين العام والخاص والمطلق والمقيد
قد يصعب التفرقة بين العام والخاص والمطلق والمقيد؛ وذلك للتشابه بينهما، فالمطلق عام والمقيد خاص، لكن العام عمومه شمولي، والمطلق عمومه بدلي، والخاص خصوصيته لأفراده، والمقيد خصوصيته بدلية، ولهذا يقال في المطلق والمقيد أحيانًا إنه عام باعتبار أن عمومه بدلي لذا فإن من أهل العلم من يدخل المطلق والمقيد في العام والخاص باعتبار كون المطلق عامًّا بدليًّا كالجويني مثلاً في «الورقات»
وبالمثال يتضح الأمر في قوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا المجادلة، وقوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه النساء
«فتحرير رقبة» مطلقًا وليس عامًّا؛ لماذا؟ لأن رقبة نكرة، والنكرة عندما تكون في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام أو الشرط فإنها تفيد العموم، لكن قوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ نكرة، لكن في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات تكون مطلقة وليست عامة، فأكثر مواضع المطلق النكرة في سياق الإثبات
مثلاً إذا قلت الرجال، دخل في ذهنك كل الرجال، أو الرقاب، دخل في ذهنك كل الرقاب، أو الكتب دخل في ذهنك كل الكتب، وهكذا فهذا يفيد العموم
أما المطلق فإنه لا يكون الدخول فيه شموليًا كالعام، ولكن يكون الدخول، دخول الأفراد تحت اللفظ بدليًّا، إما هذا أو هذا نعم هو عام لكن على سبيل البدل لا على سبيل الشمول، يعني مثلاً لو قلت اعتق الرقاب، فإن هذا يعني أن تعتقها جميعًا؛ لأن هذا عموم شمولي، لكن لو قلت اعتق رقبة، وعندك عشر رقاب من البشر، هذا سعيد، وهذا سعد، وهذا خالد، إلى آخره
فهو من حيث الأمر يشمل الجميع، لكن هل يشملها بأن أعتق العشر الرقاب، أو أنا مخير في واحد منها، أنا مخير في أي رقبة منها، فتحرير أي واحد، سعيد، خالد تكون بذلك قد امتثلت للأمر، فالعموم هنا في المطلق بدلي كما رأيت لكن في العام شمولي اهـ
فأثر سياق اللفظ هو الذي يبين دخول النص في العموم أو في الإطلاق لا مجرد النفي و النهي و الله أعلم
و يضاف لما سبق من الشروط أن يكون القيد معتبرا:
قال صاحب المراقي:
كذا دليل للخطاب انضافا ... و دع إذا الساكت عنه خافا
أو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل عنه أو جريا على الذي غلب
أو امتنان أو وفاق الواقع ... و الجهل و التأكيد عند السامع
إذا خرج القيد مخرج الغالب لا يقيد المطلق و من علامات خروج القيد مخرج الغالب:
العادة والعرف: مثاله قوله تعالى في المحرمات من النكاح: "وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن"
ومنها الوضع و لغة العرب: مثاله قوله تعالى: "لاتاكلوا الربا اضعافا مضاعفة"
و منها صرف القيد بدليل آخر كحديث: " الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" لان المجلود وغير المجلود في الحكم سواء، بدليل نص آخر وهو قوله تعالى: الزاني لا ينكح الا زانية او مشركة" و القيد هنا معقول المعنى.
و الله أعلم
¥