ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد جمع - عليه الصلاة والسلام- في عقده أحد عشرة امرأة، حقق لهن كلهن السكن، والمودة، والرحمة، وهذا يدل على أن العدل ليس مستحيلاً؛ بل هو جدٌ ممكن إذا اتقى الزوج الله تعالى، واستشعر الخوف من الوقوع في الظلم، واجتهد لتحقيق العدل بين نسائه. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل).

وأما قوله سبحانه وتعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).

قال العلامة الطبري - رحمه الله-: " لن تطيقوا أيها الرجال، أن تسوُّوا بين نسائكم وأزواجكم في حُبِّهن بقلوبكم حتى تعدِلوا بينهنّ في ذلك، فلا يكون في قلوبكم لبعضهن من المحبة إلا مثلُ ما لصواحبها؛ لأن ذلك مما لا تملكونه، وليس إليكم "ولو حرصتم"، يقول: ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك، "فلا تميلوا كلَّ الميل"، يقول: فلا تميلوا بأهوائكم إلى من لم تملكوا محبته منهن كلَّ الميل، حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا على صواحبها في ترك أداء الواجب لهن عليكم من حق: في القسم لهن، والنفقة عليهن، والعشرة بالمعروف "فتذروها كالمعلقة"، يقول: فتذروا التي هي سوى التي ملتم بأهوائكم إليها "كالمعلقة"، يعني: كالتي لا هي ذات زوج، ولا هي أيِّمٌ."

يدل على ذلك أيضاً حديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ويعدل، ويقول (اللهم هذا قَسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك).

والعدل الواجب هو في المبيت، والسكن، والنفقة.

والأفضل في المبيت أن لا يزيد في القسم على ليلة ليلة؛ لأن فيه مخاطرة بحقوق زوجاته، وأن لا يأتي غير صاحبة النوبة في بيتها في الليل؛ بل ذلك حرام، إلا لضرورة، وإلا بإذنها، ويستحب للزوج أن يأتي كل امرأة في بيتها، ولا يدعوها إلى بيته، لكن لو دعا كل واحدة في نوبتها إلى بيته كان له ذلك، وهو خلاف الأفضل، ولو دعاها إلى بيت ضرائرها لم تلزمها الإجابة، يدل على ذلك كله حديث أنس رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، وكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع، فكن يجتمعن في كل ليلة في بيت التي يأتيها ... ).

وحق المبيت يثبت للزوجة وإن كانت حائضاً، أو نفساء، أو مريضة؛ لأن مقاصد المبيت المؤانسة، والتوادد، ونحوه، وهذا تستوي فيه جميع الزوجات.

وإذا تزوّج بكراً على امرأته أقام عندها سبعاً، ثم قسم بينهما، وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً، ثم قسم بينهما؛ لحديث أنس رضي الله عنه (من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وقَسَّم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم).

هذا والله اجل واعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه والتابعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخوكم ابا عبدالرحمن عبدالله الاثري المغربي المعروف بناصر الدعوة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015