ومع هذا فقد حفظ الإسلام حق المرأة في المهر، وجعله معلقاً في ذمة الرجل حتى يؤديه، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ «أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلاَنَةَ». قَالَ نَعَمْ. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ «أَتَرْضِينَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلاَنًا». قَالَتْ نَعَمْ. فَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَدَخَلَ بِهَا الرَّجُلُ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَكَانَ مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ لَهُ سَهْمٌ بِخَيْبَرَ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَوَّجَنِى فُلاَنَةَ وَلَمْ أَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئًا وَإِنِّى أُشْهِدُكُمْ أَنِّى أَعْطَيْتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمِى بِخَيْبَرَ فَأَخَذَتْ سَهْمًا فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ - فِى أَوَّلِ الْحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ».

وعَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا الصَّدَاقَ فَقَالَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلاً وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ. فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِهِ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ. بل جعل الإسلام منع المرأة حقها في المهر أو أخذ منه شيئاً بغير رضاها من أعظم الذنوب قال الله تعالى (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أعظم الذنوب عند الله رجل تزوّج امرأةً؛ فلما قضى حاجته منها طلقها، وذهب بمهرها، ورجل استعمل رجلاً فذهب بأجرته، وآخر يقتل دابة عبثاً).

ولا يحلّ شيء من مهر المرأة إلا ما كان عن طيبة نفس منها (فكلوه هنيئاً مريئاً)،وليس للمهر مقدار محدد، وإنما يصح بكل ما تنتفع به المرأة وإن قلّ، عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها فقال (ما لي اليوم من النساء من حاجة). فقال رجل يا رسول الله زوجنيها قال (ما عندك؟). قال ما عندي شيء قال (أعطها ولو خاتم من حديد). قال ما عندي شيء قال (فما عندك من القرآن؟). قال كذا وكذا قال (فقد ملكتكها بما معك من القرآن).

والمهر تكريم للمرأة وتطييب لنفسها كشأن الهدية -سبيل للتحابب والتوادّ، لا أنه ثمن للمرأة كما يظن بعض الجُهّال فيُغالي فيه ليبلغ به قدر المرأة كما يظن وما هو ببالغه، فهاهي سيدة نساء أهل الجنة ابنة سيد المرسلين فاطمة رضي الله عنها لما تزوّجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأراد الدخول بها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (أعطها شيئاً) قال: ما عندي شيء. قال (أين درعك الحُطَمية؟) فأعطاها درعه.

وهاهي مهور أمهات المؤمنين رضي الله عنهن لم تتجاوز خمسمائة درهم فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة رضي الله عنها، كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة وقية ونشًّا، قالت: أ تدري ما النّشّ؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [والمستحب في الصداق -مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحواً من تسعة عشر ديناراً، فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من فعل ذلك فقد استنّ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصداق .... فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواتي هنّ خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015