فصل جامع في تعارض الحسنات؛ أو السيئات؛ أو هما جميعا. إذا اجتمعا ولم يمكن التفريق بينهما؛ بل الممكن إما فعلهما جميعا وإما تركهما جميعا. وقد كتبت ما يشبه هذا في " قاعدة الإمارة والخلافة " وفي أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما فنقول: قد أمر الله ورسوله بأفعال واجبة ومستحبة؛ وإن كان الواجب مستحبا وزيادة. ونهى عن أفعال محرمة أو مكروهة والدين هو طاعته وطاعة رسوله وهو الدين والتقوى؛ والبر والعمل الصالح؛ والشرعة والمنهاج وإن كان بين هذه الأسماء فروق. وكذلك حمد أفعالا هي الحسنات ووعد عليها وذم أفعالا هي السيئات وأوعد عليها وقيد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة؛ فقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} وقال تعالى: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} وكل من الآيتين وإن كانت عامة فسبب الأولى المحاسبة على ما في النفوس وهو من جنس أعمال القلوب وسبب الثانية الإعطاء الواجب. وقال: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال: {يريد الله أن يخفف عنكم} وقال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} وقال: {ما وجعل عليكم في الدين من حرج} وقال: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية وقال: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} وقال: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقال: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله}. وقد ذكر في الصيام والإحرام والطهارة والصلاة والجهاد من هذا أنواعا. وقال في المنهيات: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} وقال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} {ولو شاء الله لأعنتكم} وقال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام} الآية. وقال في المتعارض: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} وقال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وقال: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} وقال: {والفتنة أكبر من القتل} وقال: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} إلى قوله: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم} وقال: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} إلى قوله: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي}. ونقول: إذا ثبت أن الحسنات لها منافع وإن كانت واجبة: كان في تركها مضار والسيئات فيها مضار وفي المكروه بعض حسنات. فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما؛ فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما؛ فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما. وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة؛ وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة. فالأول كالواجب والمستحب؛ وكفرض العين وفرض الكفاية؛ مثل تقديم قضاء الدين المطالب به على صدقة التطوع. والثاني كتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين؛ وتقديم نفقة الوالدين عليه كما في الحديث الصحيح: {أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على مواقيتها قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين قلت. ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله} وتقديم الجهاد على الحج كما في الكتاب والسنة متعين على متعين ومستحب على مستحب وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان وتقديم الصلاة عليهما إذا شاركتهما في عمل القلب

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015