استعجال موت المريض طلباً لراحته

ـ[أحمد بن فتحى السخاوى]ــــــــ[17 - Feb-2010, صباحاً 12:04]ـ

استعجال موت المريض طلباً لراحته

هل يجوز للمريض الذي لا يرجى أمل في شفائه أن يطلب الموت، وهل يلبى طلبه تخفيفاً من الألم الذي يتعرض له؟ البعض يقول: إن من حق الإنسان أن يحدد متى تنتهي حياته إذا كان في حياته تعذيب وألم له ولغيره، فما رأي الدين في هذا الأمر؟

الحمد لله

"يحرم على المريض أن يستعجل موته سواء بطريق الانتحار أو بتعاطي أدوية لقتل نفسه، كما يحرم على الطبيب أو الممرض أو غيره أن يلبي طلبه، ولو كان مرضه لا يرجى برؤه، ومن أعانه على ذلك فقد اشترك معه في الإثم، لأنه تسبب في قتل نفس معصومة عمداً بلا حق، وقد دلت النصوص الصريحة على تحريم قتل النفس بغير حق، قال الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) الأنعام/151، وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) النساء/29، 30.

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته بيده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) متفق عليه.

وعن قلابة عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة) رواه الجماعة، وعن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقا الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.

ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمنى الإنسان الموت لضر أصابه، في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) أخرجه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري، وأخرج البخاري أيضاً بلفظ آخر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يتمنين أحدكم الموت إما محسناً فلعله يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب).

فإذا كان الإنسان منهياً عن مجرد تمني الموت وسؤال الله ذلك؛ فإن إقدام الإنسان على قتل نفسه أو المشاركة في ذلك تعد لحدود الله وانتهاك لحرماته؛ لأن فعل ذلك ينافي الصبر على أقدار الله، وفيه اعتراض على قضاء الله وقدره، وجزع من ذلك، الذي اقتضت حكمته أن يبتلي عباده بالخير والشر امتحاناً واختباراً لعباده، قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) الأنبياء/35، وقد يبتلي الله بعض عباده بالمرض، وهو الحكيم فيما يفعل، العليم بما يصلح عباده، ويكون في ذلك خير له وزيادة في حسناته وقوة إيمانه، وقربٌ من الله سبحانه باستكانته وتضرعه وخضوعه لله سبحانه وتوكله عليه ودعائه له، فينبغي للإنسان إذا أصيب بأحد الأمراض: أن يحتسب الأجر في ذلك، ويصبر على ما أصابه من البلاء، فإن من أنواع الصبر: الصبر على البلاء حتى يفوز برضا الله سبحانه عنه، وزيادة حسناته، ورفع درجاته في الآخرة، ويدل لذلك ما رواه صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبت من أمر المؤمن، إن أمر المؤمن كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان ذلك له خير، وإن أصابته ضراء فصبر فكان ذلك له خير) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في المسند، وهذا لفظ الإمام أحمد.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015