وروي عن أبي شعيب مولى الأنصار أنه استسلف بأفريقية دينارا جرجيريا من رجل على أن يعطيه بمصر منقوشا، فسأل ابن عمر عن ذلك، فقال: (لولا الشرط الذي فيه لم يكن به بأس).
وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه كان يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه، فسئل ابن عباس عن ذلك، فلم ير به بأسا.
وروي عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه كان يأخذ المال بالحجاز، ويعطيه بالعراق، ويأخذه بالعراق ويعطيه بالحجاز.
3 - أن النفع الذي وقع الإجماع على أنه ربا هو ما يشترطه المقرض على المقترض دون أن يكون للمقترض فائدة تقابل هذا النفع سوى مجرد القرض. ويدل على ذلك ما يلي:
أ- أن بعض العلماء من الصحابة ومن بعدهم أجازوا السفتجة مع أن فيها نفعا للمقرض. ب- أن بعض العلماء أجاز بعض القروض التي فيها نفع للمقرض، مع أنه ليس للمقترض فيها فائدة سوى مجرد القرض، مثل أن يفلس غريمه فيقرضه دراهم يوفيه كل شهر شيئا معلوما من ربحها، ومثل ما لو أقرض فلاحه ما يشتري به بذرا أو آلات حرث ليعمل بها في أرضه، ومثل ما إذا أراد إرسال نفقة إلى أهله فأقرضها لرجل ليوفيها لهم ونحو ذلك وبعض الفقهاء كره مثل هذه القروض ولم يحرمها.
ج- أن بعض الفقهاء صرح بجواز القرض الذي شرط فيه منفعة للمقرض، إذا كان فيه للمقترض منفعة أقوى منها.
د- أن فريقا من العلماء أجازوا إقراض من عرف بحسن القضاء لكرمه وسخائه، رجاء الزيادة عند القضاء.
هـ- أن بعض الفقهاء أجاز النفع والهدية من المقترض للمقرض قبل سداد القرض، إذا لم يشترط ذلك عند القرض، ولو لم يكن ذلك من عادتهما قبل ذلك.
وقد استدل أبو محمد ابن حزم رحمه الله على جواز قبول هدية المقترض مطلقا إذا كان بدون شرط بقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رد هدية أبي بن كعب رضي الله عنه ثم قبلها لما أراد أبي أن يرد عليه ماله بسبب ذلك قال: (إنما الربا على من أراد أن يربي وينسئ).
و- أن كثيرا من العلماء الذين حكوا الإجماع في هذه المسألة ذكروا أن أهل العلم أجمعوا على أن المنفعة أو الزيادة التي يشترطها المقرض على المستقرض ربا. والربا معناه في اللغة الفضل والزيادة. وفي الاصطلاح عرفه بعضهم بقوله: (هو فضل أحد المتجانسين على الآخر من مال بلا عوض). وعرفه آخرون بقولهم: (الزيادة في أشياء مخصوصة). وهذا يدل على أن الإجماع إنما وقع على تحريم المنفعة أو الزيادة التي يشترطها المقرض على المقترض ولا يقابلها أي منفعة له، لا أنهم أجمعوا على تحريم كل منفعة تحصل للمقرض بسبب هذا القرض.
قال الشاطبي عند كلامه على ربا الجاهلية: (وإذا كان كذلك وكان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض ألحقت به السنة كل ما فيه زيادة بذلك المعنى) ثم ذكر ربا الفضل وأعقبه بذكر ربا النسيئة ثم قال: (ويدخل فيه بحكم المعنى السلف يجر نفعا. . . فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء، وهو ممنوع).
وقال الكاساني عند استدلاله على تحريم اشتراط منفعة أو زيادة في القرض، قال: (لأن الزيادة المشروطة تشبه الربا، لأنها فضل لا يقابله عوض. . . هذا إذا كانت الزيادة مشروطة في القرض، فأما إذا كانت غير مشروطة ولكن المستقرض أعطاه أجودهما فلا بأس بذلك، لأن الربا اسم لزيادة مشروطة في العقد، ولم توجد).
4 - أنه قد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على استحباب الزيادة عند قضاء القرض:
ومن ذلك ما رواه مالك والشافعي ومسلم عن أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «استسلف من رجل بكرا. فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرا، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيافقال: " أعطة إياه، إن خيارالناس أحسنهم قضاء».
وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «أخذ سنا فجاء صاحبه يتقاضاه، فقالوا له، فقال: " إن لصاحب الحق مقالا» واللفظ للبخاري، وفي لفظ لمسلم: «استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا، فأعطى سنا فوقه، وقال: " خياركم محاسنكم قضاء».
¥