والصحيح: أن النجاسة متى زالت على أي وجه كان بأي مزيل كان فإن المحل يطهر، من غير اشتراط عدد ولا ماء، وهو ظاهر النصوص؛ حيث أمر الشارع بإزالة النجاسة، وأزالها تارة بالماء، وتارة بالمسح، وتارة بالاستجمار، وتارة بغير ذلك. ولم يأمر بغسل النجاسات سبعًا، سوى نجاسة الكلب.
وكما أنه مقتضى النصوص الشرعية فإنه مناسب غاية المناسبة؛ لأن إزالة النجاسة من باب إزالة الأشياء المحسوسة، ولذلك قال الفقهاء: إنها من باب التروك التي القصد إزالة ذاتها بقطع النظر عن المزيل لها. ولهذا لم يشترطوا فيها نية ولا فعل آدمي، فلو غسلها من غير نية أو غسلها غير عاقل أو جاءها الماء فانصب عليها طهرت، بخلاف طهارة الحدث التي هي عبادة لا بد من نيتها، واشترط لها الشارع من الترتيب، والموالاة، والكيفيات، والنية ما يوجب أن تكون عبادة مقصودة. ولهذا شرع في هذا النوع العدد والتثليث في الوضوء، وفي الغسل كله؛ على المذهب.
وعلى الصحيح لا يشرع إلا تثليث إفاضة الماء على الرأس، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه. رواه البخاري (248) ومسلم (316) (35) واللفظ له.
وأما المشهور من المذهب في هذا النوع فلا بد من غسله بالماء سبع مرات؛ قياسًا على نجاسة الكلب، ولكنه قول في غاية الضعف، والقياس لا بد فيه من مساواة الأصل بالفرع وأن يحكم على الأمرين بحكم واحد، فالمساواة منتفية بعدما خص الشارع الكلب بذلك، والحكم مختلف، فعند القائلين بهذا القياس: لا يوجبون التراب.
وحيث تبين كيفية إزالة النجاسة باختلاف أحوالها، فكل نجاسة يجب إزالتها، فإزالتها من البدن والبقعة والثوب شرط صحة الصلاة لأمر الشارع بتطهير البدن والثياب، وذلك لا يجب لغير الصلاة، فتعين وجوبه للصلاة.
وقولنا: "كل نجاسة يجب إزالتها" احتراز من أمرين:
أحدهما: إذا اضطر الإنسان إلى بقائها بأن عجز عن الماء الذي يزيلها وغيره، أو كان تضره إزالتها، أو لم يجد إلا ثوبًا نجسًا يصلي به، أو حبس ببقعة نجسة لا يستطيع الخروج منها، فهذا مضطر، والمضطر معذور اتفاقًا، وعليه أن يصلي في هذه الحال ولا يعيد فيها كلها على القول الصحيح الذي تدل عليه الأصول الشرعية.
وأما المشهور من المذهب فيها فإنه أيضًا لا يعيد إذا حبس ببقعة نجسة، ولا إذا صلى وعلى بدنه نجاسة يعجز أو يتضرر بإزالتها، لكن يتيمم عنها إذا كانت على البدن، قياسًا على التيمم للحدث.
وأما نجاسة الثوب والبقعة فلا يتيمم لهما قولاً واحد.
والصحيح أيضًا: ولا نجاسة البدن؛ لأن القياس على الحدث غير صحيح، ولو كان صحيحًا لوجب أن يعم الذي على البدن والثوب والبقعة والشارع إنما شرع التيمم للأحداث فقط.
وأما إذا صلى في ثوب نجس فعليه الإعادة على المذهب، وليس لهذا القول حجة أصلاً، والصواب كما تقدم: أنه يصلي ولا يعيد، فإن الله لم يوجب على أحد أن يصلي الفرض مرتين إلا إذا أخل بما يقدر عليه من واجباتها الشرعية.
الأمر الثاني: احتراز من النجاسات التي يُعفى عنها، أو يعفى عن يسيرها، كالدم والقيء ونحوهما، فإذا صلى مع وجودها حيث عُفِي عنها فإن صلاته صحيحة اتفاقًا وهذا معنى العفو عنها والله وحده أعلم بغيبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
مصدر الفتوى: إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر