- وما رُوي عن عمر -رضي الله عنه- من أنه كان يكبِّر في قبَّتِهِ بمنى، فيسمعه أهل المسجد، فيكبِّرون، ويكبِّر أهل الأسواق، حتى ترتجُّ منًى تكبيراً"، أخرجه البخاري تعليقاً.
والجواب عن ذلك:
إن الأحاديث ليس فيها إلا مطلق الاجتماع للذِّكْر من مذاكرةِ عِلْمٍ، أو استماعٍ لقراءةٍ، أو تحدُّثٍ بما مَنَّ الله على عباده من النِّعم الكثيرة .. ونحو ذلك، وليس فيها دليل على مشروعية ما احتجوا به من الذِّكْر بصوتٍ واحدٍ مرتفعٍ؛ فهذا أمرٌ زائدٌ على ما ورد في الأحاديث.
قال عطاء بن أبي رباح: "مجالس الذِّكْر هي مجالس الحلال والحرام؛ أي: مجالس العلم"؛ رواه أبو نعيم في "الحِلْيَة".
وقال الطرطوشي في "الحوادث والبدع": "هذه الآثار تقتضي جواز الاجتماع لقراءة القرآن الكريم على معنى الدرس له، والتعلُّم والمذاكرة، وذلك يكون بأن يقرأ المتعلم على المعلم، أو يقرأ المُعَلِّم على المُتَعَلِّم، أو يتساويا في العلم؛ فيقرأ أحدهما على الآخر على وجه المذاكرة والمدارسة، هكذا يكون التعليم والتعلُّم، دون القراءة معاً".
وقد أجاب ابن الحاجِّ في "المدخل" على الاستدلال بتلك الأحاديث، فقال: "وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: لأن أجلس مع قومٍ يذكرون الله - سبحانه - من غُدْوَةٍ إلى طلوع الشمس، أحبّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس. وقال: هم يتحلَّقون الحِلَق، ويتعلمون القرآن والفقه. هذا تفسير خادم صاحب الشريعة - صلى الله عليه وسلم - فكيف يقابله تفسير متأخِّري هذا الزمان؟! وروي عن إبراهيم النَّخْعي - رحمه الله - أنه قال: لا يزال الفقيه يصلِّي؛ قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا تَلْقَاهُ إلا وذِكْر الله على لسانه، يُحِلُّ حلالا، ويُحَرِّمُ حراماً. قال الطرطوشي - رحمه الله -: وقد ظفرتُ بهذا المعنى في كتاب الله المهيمن؛ قال الله - تعالى - لهارون وموسى، لما بعثهما إلى فرعون: {وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} [طه: 42]، فسمَّى تبليغ الرسالة ذِكْراً، فعلى هذا يتحقَّق أنَّ حِلَق العلم، وما يتحاورون فيه في العلم، ويتراجعون من سؤالٍ وجوابٍ، أنها حِلَقُ الذِّكْر, وهذا قوله سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43]؛ يعني: أهل العلم والفقه". اهـ.
قلتُ: وأيضاً سمَّى الله موعظة الإمام في خطبته يوم الجمعة ذِكْراً؛ فقال سبحانه: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، وهو قول مجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهما؛ ويدلُّ على أن الذِّكْر في الآية بمعنى الخُطْبَة سببَ الورود.
وقال الإمام الشَّاطبيُّ في "الاعتصام": "قال: إذا نَدَبَ الشَّرع إلى ذكر الله، فالتزم قومٌ الاجتماع عليه على لسانٍ واحد، وصوتٍ واحد؛ لم يكن في نَدْبِ الشَّرع ما يدلُّ على هذا التَّخصيص الملتَزَم; لأن التزام الأمور غير اللازمة يُفهَم على أنه تشريعٌ, وخصوصاً مع مَنْ يُقتدى به في مجامع الناس كالمساجد, فإذا أُظهِرَتْ هذا الإظهار، ووُضِعَت في المساجد كسائر الشعائر – كالأذان، وصلاة العيدَيْن والكسوف - فُهِمَ منها - بلا شكٍّ - أنها سُنَّةٌ، إن لم تفهم منها الفَرْضِيَّة! فلم يتناولها الدليل المستَدَلُّ به؛ فصارت - من هذه الجهة - بِدعاً مُحْدَثَةً".
أما أَثَر عمر – رضي الله عنه - فمعناه: أنهم لما كانوا يسمعون تكبيرَهُ، فيذكِّرهم التكبير، فيكبِّرون، كلٌّ بمفرده، وليس فيه أيضا أنهم قصدوا الاجتماع على التكبير بصوت واحد؛ ويؤيد هذا الفهم؛ ما صحَّ عن الصحابة من النهي والإنكار على الذكر الجماعي؛ فقد روى ابن وضَّاح بسنده إلى أبي عثمان النهدي قال: "كتب عاملٌ لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إليه: أن هاهنا قوماً يجتمعون، فيَدْعُون للمسلمين وللأمير؛ فَكَتَبَ إليه عمر: أَقبِل وأَقبِل بهم معك؛ فأقبل، فقال عمر للبوَّاب: أعِدَّ سوطاً. فلما دخلوا على عمر، أقبل على أميرهم ضرباً بالسوط، فقلت: يا أمير المؤمنين، إننا لسنا أولئك الذي يعني، أولئك قوم يأتون من قِبَل المشرق".
¥