1. فمن حملة القراءات المعرب العالم بوجوه الإعراب والقراءات العارف باللغات ومعاني الكلمات البصير بعيب القراءات المنتقد للآثار فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين.
2. ومنهم من يعرب ولا يلحن ولا علم له بغير ذلك فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته ولا يقدر علي تحويل لسانه فهو مطبوع علي كلامه.
3. قال ابن مجاهد فيمن لا يؤخذ العلم ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ عنه ليس عنده إلا الأداء لما تعلم لا يعرف الإعراب ولا غيره فذلك الحافظ فلا يلبث مثله أن ينسي إذا طال عهده فيضع الإعراب لشدة تشابهه .... وقد ينسي الحافظ فيضع السماع وتشتبه عليه الحروف فيقرأ بلحن لا يعرفه وتدعوه الشبهة إلي أن يرويه عن غيره ويبرئ نفسه عسي أن يكون عند الناس مصدقا فيحمل ذلك عنه وقد نسيه ووهم فيه وجسر علي لزومه والإصرار عليه، أو يكون قد قرأ علي من نسي وضيع الإعراب ودخلته الشبهة فتوهم.فذلك لا يقلد في القراءة ولا يحتج بقوله.
4. ومنهم من يعرب قراءته ويبصر المعاني ويعرف اللغات ولا علم له بالقراءات واختلاف الناس والآثار فربما دعاه بصره بالإعراب إلي أن يقرأ بحرف جائز في العربية لم يقرأ به أحد من الماضين فيكون مبتدعا وقد رويت في كراهة ذلك أحاديث ... (وقد روي ابن مجاهد آثارا تأمر القراء باتباع الأثر ونكتفي باثنين) عن ابن مسعود:" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " وروي أن عليا ـ رضي الله عنه ـ قال: إن رسول الله ـصلي الله عليه وسلم ـ يأمركم أن تقرءوا القرآن كما علمتم ".ا. هـ السبعة صـ 45ـ46
إن ابن مجاهد حدد شروط العالم الحجة ـ كما في (1) ـ أما الثلاثة فاقدوا الأهلية وصفهم ابن مجاهد بدقة أولهم:
السليقي: (الذي يعرب ولا يلحن ولا علم له بغير ذلك) فهذا ليس إماما ولا يصلح لذلك لأنه يقرأ عن سليقة لا عن علم، فهو لا يعرف دقائق قراءة نفسه معرفة علمية بقواعدها ومصطلحاتها ولذا لا يستطيع أن يعلم غيره ولا أن ينكشف خطأه ويعيّنه ولا أن يقومه، وقصاري ما يستفاد منه أن يقلد.
أما الثاني: المقلد الفاقد للأمرين السليقة والعلم، وهذا أخطرهم ولذلك أطال ابن مجاهد في أمره، لأنه قد يتلقي الصواب ثم ينسي أو يشتبه عليه ما تلقاه أداء أوحفظا، وهو ليس عنده علم يفطن به إلي حاله، فيقرأ أو يلحن ويتوهم أنه علي وصواب ويتمسك به ويكابر ويجادل ناسبا إياه إلي مصدر التلقي.
والثالث: (ومنهم من يعرب قراءته ويبصر المعاني ويعرف اللغات ولا علم له بالقراءات واختلاف الناس) والصنف الثالث هم علماء العربية العالمون باللغة والمعاني، ولكنهم لا علم لهم بضوابط مجال القراءات ـ مثل: صحة السند وغيرها من الشروط ـ فمثل هؤلاء قد يبتكر الواحد منهم قراءة لا سند،أو يفضل قراءة علي أخري ناظرا إلي المعني أو التركيب صارفا النظر عن صحة السند وقوته، فهذا أيضا لا يجوز أن يكون إماما ولا أن يُتلقي عنه لأن غفلته عن ضوابط مجال القراءات تؤدي إلي تغييره القرآن.
ونخلص من ذلك كله إلي أن التلقي الذي ينبغي التمسك به والاحتجاج به هو التلقي عن دراسة واعية شاملة توصل إلي دقائق الأمر بأن يكون الدارس عالما بكل جوانب المسألة المدروسة لغة ورواية فاقِهاً لأقوال الأئمة فيها، خبيرا بالكيفيات التي يؤدي بها الصوت المفرد أو النسق الصوتي، وبذلك تكون له أهلية لمراجعة شيخه للتحقق من كيفية أدائه وهنا يكون تلقيه حجة.
أما الذين يتلَّقون بلا دراسة ولا معرفة بجوانب ما تلقَّوه ودقائقه، فلا حجة في تلقيهم ولا في تقليدهم أداء مشايخهم، بل ولا يُؤْمَنون في درجة إحكامهم لهذا التقليد فلا تقبل شهادتهم بالنسبة لأداء مشايخهم."أ. هـ صـ 11: 17 بتصرف واختصار.
¥