وكذلك روى الدار قطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكا فقلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم عرب؟ هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع؟ إلا تسمعون الله يقول: {نسائكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم}، قائمة وقاعدة وعلى جنبها، لا يعدا الفرج. قلت: يا أبا عبد الله إنهم يقولون: إنك تقول بذلك، قال: يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي.
وروى الدارقطني أيضا عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت مالكا وعلي بن زياد يسأله فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر؟ فقال: كذبوا علي عافاك الله.
فهذا مالك رضوان الله عليه قد صرح بكذب الناقل عنه في ثلاث روايات، فكيف تحل نسبته إليه بعد ذلك؟!
وقال أيضا في نفس الكتاب (ج1/ص68):
وعزي إلى مالك رضي الله عنه في الرسالة المنسوبة إليه، وتعرف بكتاب السر، أنه حد للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوما وليلة. قال علماؤنا: ولا تثبت هذه الرسالة. قال القاضي أبو محمد: وكان الشيخ أبو بكر في جماعة من الشيوخ ينكرونها، ويقولون: لا تصح عن مالك. ونص ما حكي عن الشيخ أبي بكر في ذلك: وقد سمعت من يذكر أن لمالك بن أنس كتاب سر، وكان مالك أتقى لله وأجل وأعظم شأنا من أن يتقي في دينه أحدا أو يراعيه، وكان مشهورا بهذه الحال، وأنه لا يتقي من سلطان ولا غيره. وقد نظرت في نسخة من كتاب السر، فوجدته ينقض بعضه بعضا، ولو سمع مالك إنسانا يتكلم ببعض ما فيه لأوجعه ضربا. وقد حدثني موسى بن إسماعيل القاضي قال: سمعت عبد الله بن أحمد الطيالسي، يقول: سألت إسماعيل بن إسحاق عن كتاب السر لمالك بن أنس، فقال: سألت أبا ثابت محمد بن عبد الله المدني صاحب ابن القاسم: هل لمالك كتاب سر؟ فقال: سالت ابن القاسم عن ذلك؟ فقال: ما نعرف لمالك كتاب سر.
وقال ابن الحاجب في (جامع الأمهات ج1/ص261):
ويحل كل استمتاع إلا الإتيان في الدبر، ونسب تحليله إلى مالك في كتاب (السر) وهو مجهول. وعن ابن وهب: سألت مالكاً وقلت: إنهم حكوا عنك أنك تراه، فقال: معاذ الله، وتلا {نساؤكم حرث لكم} وقال: لا يكون الحرث إلا في موضع الزرع.
وقال أبو العباس القرطبي في (المفهم ج4/ 157) بعد أن ذكر من أباحه:
وحكي عن مالك في كتاب يسمى (كتاب السر)، ونسب الكتاب إلى مالك، وحذاق أصحابه ومشايخهم ينكرونه. وقد حكى العتبي إباحة ذلك عن مالك. وأظنه من ذلك الكتاب المنكر نقل. وقد تواردت روايات أصحاب مالك عنه بإنكار ذلك القول وتكذيبه لمن نقل ذلك عنه. وقد حكينا نص ما نقل عن مالك من ذلك في جزء كتبناه في هذه المسألة سميناه (إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار).
وقال أبو عبد الله القرطبي في (تفسير القرطبي ج4/ص8):
وذكر بن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب (جماع النسوان وأحكام القران).
وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث؛ لقوله تعالى: {فأتوا حرثكم}، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق.
وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد؛ لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل؛ فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي! ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله تعالى: {نساؤكم حرث لكم}؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟!
وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل: {أنى شئتم} شامل للمسالك بحكم عمومها، فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم وطء النساء في الإدبار؛ ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه (تحريم المحل المكروه). ولشيخنا أبى العباس أيضا في ذلك جزء سماه (إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار).
¥