يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ {99} أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ {100})

والأمم في مثل هذه المواقف يقل فيها من يقدر هذه النذر حق قدرها فيتعامل معها بالصبر عليها واحتساب الأجر من الله على ما وقع له جراءها وراجع على الله تعالى منيب إليه في أعقابها , والأمة التي تسلك هذا السبيل في التعامل مع هذه النذر والمخوفات والعقوبات تستبقي نعيمها مدة أطول وتأمن من الأخذ الكامل أو البأس المستمر.

لكن أكثر ما يقع من الأمم هو النظر إلى هذه النذر نظرة مادية بحتة ويغفلون عما فيها من عبر ينبغي أن يتدبرها أولوا الألباب

{وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} النحل112

ولنتأمل تعبير القرآن بكفر النعم فهو تعبير عظيم عن شيوع المعصية وغيه لالة على أن المعصية الموجبة للعقاب الدنيوي ليسا هي كفر الإشراك بل هي أعم من ذلك إذ يظهر ان المراد بالكفر هنا ما هو ضد الشكر , ومن أظهر معالم هذا النوع من الكفر صنع السيئات والتمالئ عليها والاستكثار منها , يؤكد هذا تعليل هذه الابتلاءات بما كانوا يصنعون.

ويدور السؤال دائما حين نتحدث في هذا الموضوع حول المتضررين في مثل هذه الكوارث الطبيعية فيلاحظ البعض أن أكثرهم من غير الدعاة إلى إشاعة المعصية والعاملين على اتباع الشهوات , فكيف يمكن ان نتصور مثل هذه النكبات عقابا والأجر بالعقاب بعيدون عن التضرر بمثل هذه المصائب و هكذا يطرح السؤال ولعل الإجابة عنه موضوع حديثنا القادم

المقاصد الغيبية في الظواهر الطبيعية

هل يعاقب البريء

(4)

يقول أحدهم: إننا نفهم أن تكون الكوارث الطبيعية تخويفا أو ابتلاء , بل نفهم أن تكون عقابا للأمم الباغية , لكننا لا نفهم أن تكون عقوبات في مجتمعات يغلب عليها طابع الخير والتدين لمجرد وجود شيء من المخالفات الشرعية التي يوجد أضعافها في داخل مجتمعات إسلامية أخرى لم تعان مثل هذه الكوارث , بل كيف تكون عقوبات وجل من يصاب بها هم البسطاء والخيرون أما دعاة الانحلال والتفسخ فلم نر هذه المصائب تمس أحدا منهم إلا قليلا؟

والجواب عن هذا الإشكال لن يكون مقنعا دون التسليم بدلالة العموم والإطلاق في قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} الشورى30 فكل المصائب والنوائب التي تقع على المؤمنين مطلقا في هذه الحياة هي نتيجة وجزاء لما كسبته أيديهم من آثام , وبعد التسليم وهو واجب المسلم تجاه ما يرده عن الله تعالى يبقى له حق التدبر والتفكر.

قال تعالى {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} الحشر2

{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يونس24

وعليه فإن تلك الإشكالات ليست من قبيل الاعتراض على المسلمة الواردة في الآية القاطعة في دلالتها ولكنها من قبيل الاعتبار والتدبر والتفكر في آيات الله تعالى الكونية والمتلوة , هو نوع من أنواع العبادات التي امتلأ القرآن الحكيم بالأمر بها والحض عليها.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015