من الانحراف حتى إرث الأرض
الابتلاء سنة الله نتعالى في خلقه كما شهدت بذلك آيات القرآن الكريم , وهو قدر على الإنسان مطلقا سواء أكان مسلما أم كافرا , كبيرا أم صغيرا كما هي دلالة الإطلاق في كلمة الإنسان من قوله تعالى: {إنا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} الإنسان2 وكما تتعدد فئات المبتلين يشير القرآن الكريم إلى أن أشكال البلاء تتعدد , فابتلاء بالخير وابتلاء بالشر {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} الأنبياء35
وابتلاء بالكوارث (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ {97} أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ {98} أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) {99} الأعراف.
وابتلاء بالأمراض {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} البقرة214وابتلاء بالخوف والجوع والفقر وكثرة الموت بينهم {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} البقرة155.
وابتلاء ببأس بعضهم {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} الأنعام65
فهذه أصناف الابتلاءات ليست خاصة بعنصر أو أمة بل يتعرض لها البشر كافة.
وكذلك تنص الآيات القرآنية على أن المقاصد الإلاهية من هذه الابتلاءات تختلف من قوم إلى قوم.
فإن الأمة المؤمنة المتقية لله تعالى المتبعة لتعاليم رسله المنقادة لدينه سبحانه وتعالى موعودة بالخير الدنيوي قبل الأخروي , ولكن هذا الوعد مرهون التحقق باستيفاء شروط لا تكون الأمة دون تحقيقها مؤهلة لنيل وعد الرب عز وجل بالثواب العاجل , وهذه الآية تبسط القول في الوعد كما تبسط بيان شروطه {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} النور55 فالوعد هو بالاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف , أما الشروط فهي الإيمان وعمل الصالحات وإخلاص العبادة لله و وهذه الشروط حين تتحقق فلا بد أن يتحقق ما وعد الله به.
وربما كان لتحقق هذه الوعود إرهاصات بشئ من التمكين الجزئي والذي يغري الكثيرين باتباع منهج هذه الفئة التي ظهرت على الأرض بوادر تمكينها , ولو لم يكونوا على قناعة تامة أو تبن صحيح لمنهج هذه الطائفة الواعدة , فيبتلي الله تعالى هؤلاء الواعدين بأصناف من البلاء هي في ظاهرها شر للذي تحدثه من الخراب والهلاك , ولكنها تتضمن خيرا عظيما لا يظهر للعين المجردة ألا وهو تخليص المؤمنين من اللصقاء والأدعياء تمهيدا للتمكين النهائي والذي يختص به الله تعالى من لم تزعزع ثقته بالإيمان وأهله تلك البلايا والامتحانات , يقول الله تعالى في ذلك: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {139} إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ {141} أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ
¥