فلا يظهر في مكان عملاً في مسألة قد استقر الناس على خلافها بحجة أنالخلاف فيها سائغ؛ فإن هذا مما يزيد الخلاف ويوسع الشقة بين المسلمين؛كإظهار المولد في مكان أطبق الناس فيه على عدم شرعيته، لكن معرفة درجةالخلاف ينفع في معذرة المتأولين في مكان آخر.

ومن ذلك أن يؤخر في بعض الأمكنة محاربة بعض البدع العملية الجلية؛ كتأخيرإنكار صلاة الرغائب من أجل معالجة شرك أكبر في الربوبية والإلهية.

15. أن لا يمتحن المخالف في معتقده

:

كان السلف يرون امتحان المرء لإخراج مكنونات معتقداته من البدع.

جاء في "سير أعلام النبلاء" (10/ 311) أن رجلا قام إلى البخاري، فقال: ياأبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن، مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرضعنه البخاري ولم يجبه. فأعاد عليه القول، ثم قال في الثالثة، فالتفتإليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقةوالامتحان بدعة.

وإظهار المعتقدات المستترة بامتحان الناس فيها وإن كان يُعتبر ـ باديالرأي ـ من حرب الآراء المخالفة في وكرها، ومن كبتها قبل أن تخرج إلىالناس، أو ما يسمى بالحرب الاستباقية إلا إنها تنطوي على مفاسد أعظم منذلك؛ فمنها:

دفع صاحبها إلى إظهارها والمنافحة عنها؛ فإن الرأي حين يكون حبيس الأضلاعفإنه لا يُنسب إلى معتقدِه، لكنه إن ظهر صار منسوباً إليه، وأصبح أكثراستعدادا لتبنيه، والدفاع عنه. كما أنه يدفعه إلى مراغمة مخالفيهوممتحنيه بالصدع بمعتقده.

أن الممتحِن بإظهاره قول المبتدع يُكوِّن أتباعاً، أو مستمعين لصاحبالبدعة؛ بل ومعجبين بطريقته؛ فكان رضاه هو بعدم إعلان خواطره خيراً منامتحانه، وإظهارها للناس.

وقد دل هدي النبي صلى الله عليه وسلم على الإعراض عما ظهر فيما أعلنهالمنافقون من كلمات الكفر، وجُعلت أسماء المنافقين سراً عند بعض أصحابه،وما نعموا به من مزايا المجتمع المسلم بقبولهم أعضاء فيه تجري عليهم بهأحكام الإسلام الظاهر، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أعيانهم،ولم يوجه هذا إلا بأنه صلى الله عليه وسلم اعتبر السياسة ووازن بينالمصالح والمفاسد.

فإذا كان هذا هديه فيما ظهر من الكفر فما الظن به فيما أخفاه الناس من المعتقدات؟

ونحو ذلك أن يبحث عن عقائد العلماء؛ فيجعل الشخصَ محوراً لذلك، ولا قصدله في المسألة، ويعلل بعضهم ذلك بقصد التحذير من الاغترار بكلامه،وسيأتي الكلام على عدم صحة هذا المنهج في قاعدة: توجيه التعرية للقول لاالقائل.

وهذا يختلف عن البحوث العلمية والكتب التي تتخصص في عقيدة عالم معين؛ إذْإن هذا عمل علمي يراد منه جمع آرائه وتنسيقها وموازنة القواعد الجامعةلكلامه؛ فهذا عمل علمي لا يقل نفعا وفائدة عن مصنفات تبحث في فقه إماممعين؛ فلا وجه لتحسس البعض من هذا المنهج.

16. أن توجه التعرية والإسقاط للقول المخالف لا لقائله:

إذا كانت المخالفة في قضية علمية أو منهجية وقد أعلن صاحبها قوله أو منهجهفلا إشكال هنا في ذكر القول والقائل، وقد درج العلماء على ذلك حتى فيالمسائل الفقهية التي يقوى فيها الخلاف دون تجريح أو اتهام للنيات؛ فماالظن في القضايا المنهجية؟

وكذلك لو كان النقض على كتاب معين؛ فلا تثريب في ذكر الكتاب والكاتب.

وهذا كله لأن كاتبه رضي بإظهار رأيه وقرن اسمه به؛ فلم يعد بذلك ملكاً له؛ بل صار مشاعاً لجميع الأمة.

ولكن تقع صورة أخرى تزيد على ما ذُكر وهي توجيه الجهود لإسقاط شخص معين بسبب مخالفة منهجية معينة، وذلك بطريقين:

الأولى

: التجريح الشخصي، وتسخير قواميس الهجاء لتشويه صورته عند الناس؛ وذلك بتكفيره أو جعل وصف المبتدع قرينا لاسمه، تنفيراً للناس منالاستماع إليه، والتأثر به، وربما أدخلوا مع ذلك بعض السلوك الشخصي؛كسيرته الأخلاقية أو المالية أو العائلية.

الثانية:

جمع أخطائه ومخالفاته حتى في المسائل الاجتهادية؛ لتكون في موضعواحد، وذلك لتتجمع أجزاء الصورة التي تجمعت في ذهن مخالفه لتكون مجتمعةواضحة عند بقية الناس، وذلك ليحذروا ما قاله أو ما سيقوله.

وصارت هذه الطريقة تُسمى في الوقت الحاضر بـ "منهج الإسقاط والتعرية" أي أن يُسقط الشخص من أعين الناس، ويعرى على حقيقته أمامهم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015