هل كون الخلاف في المسألة (أبدعة هي أم لا) يسوغ قبولها والعمل بها

ـ[أبوعبيدة الوهراني]ــــــــ[21 - عز وجلec-2009, مساء 07:19]ـ

هل كون الخلاف في المسألة (أبدعة هي أم لا)،

يسوغ قبولها والعمل بها

كثير من الناس، يجعل من الخلاف في المسائل (المختلف فيها بين أهل العلم، كأن يقول بعضهم بالمنع {بأنها بدعة مثلا}، والبعض الآخر بالجواز) سببا في جوازها و قبولها والعمل بها.

فهو لا يأخد بالأرجح والصواب، وإنما يجعل الخلاف سببا للجواز، لأنه موافق لهواه.

قال الإمام الشاطبي رحمه الله في (الموافقات 4/ 141):

<< ووقع فيما تقدم و تأخر من الزمان، الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف، فإن له نظرت آخر، بل في غير ذلك، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع فيقال: لما تمنع والمسألة مختلف فيها؟

فيجعل الخلاف حجة في الجواز، لمجرد كونها مختلف فيها، لا دليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطإ على الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدا، وما ليس بحجة حجة >>.

كما يفعل كثير في زماننا هذا ممن أدخل المصالح الشخصية أو الحزبية أو حتى القومية في الدين، فتراه يفعل كل ما بوسعه لتكثير سواد الناس عليه، ولو كان ذلك على حساب الدين.

فيجعل القول المرجوح هو الراجح لا لشيء، إلا لأنه هو الأقرب إلى إرضاء الناس.

ولو علم المسكين أنّ إرضاء الناس غاية لا تدرك، وأنّ ما كان لله على وارتفع، وأنّ ما كان لغيره وقع (ولو بعد حين).

بل بعضهم يحارب القول المخالف له، بلا حجة و لا برهان، وإنما حجته أن القول المخالف فيه حرج، أو أنّ الإختلاف رحمة، أو أنه يكفي أنّ فلان (وما أدرك ما فلان) قد قال به.

فهو يتبع الرخص ما أمكن، و كما قال بعض السلف<< من تتبع رخص العلماء هلك>>.

كل هذا، أملا منه أن يصبح ذلك جائزا، فهو يلوي الأدلة حتى توافق مراده وهواه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (مجموع الفتاوى 2/ 202 ـ 203):

<< وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص و الإجماع، و دليل مستنبط من ذلك، تقرّر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء، فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، ومن تربّى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه، وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول و تلقته الأمة بالقبول بحيث يجب الإيمان به، وبين ما قاله بعض العلماء وتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه >>.

والصحيح أنّ دليلهم هو اتباع الهوى، فما وافق مذهبهم اخذوا به، وما خالفهم تركوه ولو كان هو الحق والصواب.

ولو كان الحق مرادهم لكفاهم دليل واحد (لأنهم ليس معهم دليل)، ولكن لما كان قصدهم هو إتباع الهوى فلن يكفيهم ألف دليل.

قال الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه العجاب (الموافقات4/ 141، عقب كلام للإمام الخطابي فيمن يجعل الخلاف حجة في الجواز):

<< والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له، ويدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلا لأمر الشرع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إله هواه.

ومن هذا أيضا جعل بعض الناس الإختلاف رحمة للتوسع في الأقوال و عدم التحجير على قول واحد، ويحتج في ذلك بما روي (أنّ الإختلاف رحمة {01})، أو بما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له: لقد حجرت واسعا، وملت بالناس إلى الحرج، وما في الدين من حرج وما أشبه من ذلك >>.

فالصادق في طلبه لا يجعل الخلاف وسيلة يتقرب بها إلى ربه، ولكن يتحرى الراجح والصواب ما أمكن، لأن الخلاف مهما كان صغيرا أو كبيرا فهو شر، ولا يكون (الخلاف) رحمة أبدا، فكيف يجعله سببا إلى تجويز ما يريد (والله المستعان).

{01}: قال الشيخ الألباني رحمه الله في (السلسلة الضعيفة1/ 86، بعد أن قال في اللاتي قبلها أن: حديث {اختلاف أمتي رحمة} باطل مكذوب):

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015