وهذا الحديث لم يذكره البخاري، وذكره أبو داود عن محمد بن كثير، عن إسرائيل، وذكره النسائي عن عمر بن علي عن ابن مهدي، عن إسرائيل، وليس فيه دليل على سقوط الجمعة، وإنما فيه دليل أنه رخص في شهودها، وأحسن ما يتأول في ذلك أن الإذن خص به من لم تجب الجمعة عليه ممن شهد ذلك العيد، والله أعلم.

ثم قال ابن عبد البر: وإذا احتملت هذه الآثار من التأويل ما ذكرنا لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت عليه، لأن الله عز وجل يقول:} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ {] سورة الجمعة الآية 9 [ولم يخص الله ورسوله

يوم عيد من غيره من وجه تجب حجته، فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع، بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث، ولم يخرج البخاري ولا مسلم منها حديثا واحدا، وحسبك بذلك ضعفا لها. . إلى أن قال: وأما اختلاف العلماء فيمن تجب عليه الجمعة من الأحرار البالغين الذكور غير المسافرين، فقال ابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، والحسن البصري، ونافع مولى ابن عمر: تجب الجمعة على كل من كان بالمصر وخارجا عنه، ممن إذا شهد الجمعة أمكنه الانصراف إلى أهله، فآواه الليل إلى أهله ([14] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn14)) وبهذا قال الحكم بن عتيبة، وعطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، وأبو ثور.

وقال ربيعة، ومحمد بن المنكدر: إنما تجب على من كان على أربعة أميال.

وذكر عبد الرزاق عن محمد بن راشد، قال: أخبرني عبدة بن أبي لبابة أن معاذ بن جبل كان يقول على منبره: يا أهل فردا، ويا أهل دامرة - قريتين من قرى دمشق، إحداهما على أربعة فراسخ، والأخرى على خمسة-: إن الجمعة لزمتكم، وإنه لا جمعة إلا معنا ([15] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn15)).

وقد روي عن معاوية أنه كان يأمر من بينه وبين دمشق أربعة وعشرون ميلا بشهود الجمعة، وذكر معمر عن هشام بن عروة، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: كان أبي من المدينة على ستة أميال أو ثمانية، فكان ربما شهد الجمعة، وربما لم يشهدها.

وقال الزهري: ينزل إليها من ستة أميال ([16] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn16))، وروي عن ربيعة أنه قال: تجب الجمعة على من إذا سمع النداء وخرج من بيته أدرك الصلاة.

وقال مالك والليث: تجب الجمعة على كل من كان على ثلاثة أميال، وقال الشافعي: تجب على كل من كان بالمصر، وكذلك كل من سمع النداء ممن يسكن خارج المصر. وهو قول داود.

وقال أبو حنيفة: الجمعة على كل من كان بالمصر، وليس على من كان خارج المصر جمعة، سمع النداء أو لم يسمع.

وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: لا تجب الجمعة إلا على من سمع النداء، كان بالمصر أو خارجا عنه، يريدان الموضع الذي يسمع منه ومن مثله النداء، روي مثل ذلك عن عبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب.

وقد كان الشافعي يقول: لا يتبين عندي أن يحرج بترك الجمعة إلا من يسمع النداء، قال: ويشبه أن يحرج أهل المصر وإن عظم بترك الجمعة.

قال أبو عمر: يشبه أن يكون مذهب مالك وأصحابه والليث في مراعاة الثلاثة أميال لأن الصوت الندي في الليل عند هدوء الأصوات يمكن أن يسمع من ثلاثة أميال، والله أعلم.

فلا يكون مذهب مالك في هذا التأويل مخالفا لمن قال: لا تجب الجمعة إلا على من سمع النداء، وهو قول أكثر فقهاء الأمصار، وقد ذكر ابن عبدوس في المجموعة عن علي بن زياد، عن مالك قال: عزيمة الجمعة على من كان بموضع يسمع منه النداء، وذلك من ثلاثة أميال، ومن كان أبعد فهو في سعة، إلا أن يرغب في شهودها فهو أحسن، فهذه رواية مفسرة. وعلى هذا قال مالك فيما روى عنه ابن القاسم وغيره، أن ليس العمل على ما صنع عثمان في إذنه لأهل العوالي؛ لأن الجمعة كانت عنده واجبة على أهل العوالي، لأن العوالي من المدينة على ثلاثة أميال ونحوها، وذهب غير مالك إلى أن إذن عثمان لأهل العوالي إنما كان أن الجمعة لم تكن واجبة على أهل العوالي عنده؛ لأن الجمعة إنما تجب على أهل المصر عنده، هذا قول الكوفيين سفيان وأبي

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015