و أعلم أخي الكريم أن القيد في الحكم ليس كالقيد في السبب فإن كان هناك خلاف بين الفقهاء في إعتبار التقييد في الأسباب كحديث "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول" فلا يحضرني خلاف بينهم في تقييد الحكم إلا مذهب الأحناف و للأسف جل كتب الأصول لا تتطرق لهذا الأمر و ذلك أن القيد في السبب إعتباره نابع من دليل الخطاب لذلك خالف الظاهرية فيه فحملوا المقيد على المطلق في الأسباب بعكس القيد في الحكم و هو مبني على عدة امور منها "القياس عند الشافعي لذلك قيد الحكم و ان اختلف" و منها "العمل بالحكمين المقيد و الغير مقيد" و هذا تعليل القرافي فمن عمل بالحكم المقيد فقد عمل بالغير مقيد بخلاف السبب فوجود القيد في السبب مفهومه خروج الغير مقيد من السبب من الحكم و كأنه تخصيص للعموم فالفرق مختلف جدا يفسر خلاف الفقهاء في قيود الاسباب عادة.

و مثال ذلك لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول فمفهومه يجوز لأحدكم أن يمسك ذكره بيمينه في حالة غير البول فعلى هذا يخصص حديث لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه بمفهوم الحديث الآخر و هكذا يقيد لكن من قال من الفقهاء بعدم التقييد قال ذلك لأنه إذا نهي عن مسه باليمين حال البول، فالنهي عن مسه في غير حال البول من باب أولى لأنه في حال البول ربما يحتاج إلى مسه، فإذا نهي في الحال التي يحتاج فيها إلى مسه فالنهي في غيرها أولى و خلاصة قولهم أن القيد خرج مخرج الغالب فرد الآخرون بقولهم أن النهي وارد على ما إذا كان يبول فقط لأنه ربما تتلوث يده بالبول و هذا بإعتبار المسك معقول المعنى، وإذا كان لا يبول فإن هذا العضو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما هو بضعة منك) عندما سُئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة هل عليه وضوء؟ وإذا كان بضعة مني فلا فرق أن أمسه بيدي اليمنى أو اليسرى.

و قال ابن حزم بعدم المس مطلقا و هذا موافق لمذهبه لعدم عمله بالمفهوم لذلك هو يطلق المقيد في السبب فيعمل بالسبيبين لأنه ان عمل بالسبب المطلق فقد عمل بالسبب المقيد إلا أن في هذا الأمر إهدار للعلل و هذا يوافق ظاهرية ابن حزم.

و الله أعلم

بالنسبة لرواية شوال فهي ثابتة و هذا بعض من طرقها:

أولا طريق أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه:

رواه سعد بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري المدني أخو يحيى بن سعيد وعبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أنه حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر " في صحيح مسلم و اللفظ له و في مواضع كثيرة في كتب السنة لن اذكرها لأنها مشهورة انما ساذكر المتابعات:

فتابع سعيدا:

صفوان بن سليم في سنن الترمذي و سنن ابي داود و سنن الدارمي و صحيح ابن حبان و السنن الكبرى للنسائي و مشكل الآثار للطحاوي و في مسند الحميدي و في مسند الشاشي و المعجم الكبير للطبراني و شعب الايامن للبيهقي.

يحيى بن سعيد: مسند الحميدي، المعجم الكبير الطبراني، مستخرج ابي عوانة

عبد ربه بن سعيد: رواه عنه شعبة في السنن الكبرى للنسائي و في مشكل الاثار للطحاوي و شعبة حافظ حجة

عثمان بن عمرو بن ساج القرشي: في السنن الكبرى للنسائي

زيد بن أسلم: مشكل الآثار الطحاوي

فكما ترى اخي الكريم تابع سعيدا خمس رواة منهم ثلاثة من افاضل الثقات و روى عن بعضهم شعبة بن الحجاج

و للحديث شواهد

الشواهد:

طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه:

من طريق سعيد ابن أبي أيوب، حدثني عمرو بن جابر الحضرمي، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من صام رمضان، وستا من شوال، فكأنما صام السنة كلها" مسند الامام احمد و مسند الحارث و مسند عبد بن حميد، مشكل الآثار للطحاوي، السنن الكبرى للبيهقي

تابعه: ابن لهيعة في مسند الامام احمد، مشكل الآثار للطحاوي، السنن الكبرى للبيهقي،

بكر بن مضر معجم الطبراني، مشكل الآثار للطحاوي، السنن الكبرى للبيهقي

طريق ثوبان بن بجدد رضي الله عنه:

يحيى بن الحارث الذماري، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " من صام رمضان، وستا من شوال، فقد صام السنة " صحيح بن حبان و معجم ابن المقرئ و ال معجم الكبير الطبراني، شعب الايمان البيهقي و سنن الدارمي و سنن ابن ماجة و السنن الكبرى النسائي، مشكل الاثار الطحاوي.

اذن الحديث صحيح لا غبار عليه و هو في صحيح مسلم.

و الله أعلم

ثم أضفت: و أضيف لما سبق كلام الأصوليين:

قال صاحب المراقي:

كذا دليل للخطاب انضافا ... و دع إذا الساكت عنه خافا

أو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل عنه أو جريا على الذي غلب

أو امتنان أو وفاق الواقع ... و الجهل و التأكيد عند السامع

قال في المرتقى:

و الأخذ بالمفهوم في المذاهب ... ممتنع إن يجري مجرى الغالب

كفي حجوركم كذا ما أشبها ... سبعين مرة مبالغا بها

قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق (الفرق بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب):

فإنه إن لم يخرج مخرج الغالب كان حجة عند القائلين بالمفهوم وإذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة

إجماعا وضابطه أن يكون الوصف الذي وقع به التقييد غالبا على تلك الحقيقة وموجودا معها في أكثر صورها فإذا لم يكن موجودا معها في أكثر صورها فهو المفهوم الذي هو حجة ...

أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب وكانت العادة شاهدة بثبوت ذلك الوصف لتلك الحقيقة يكون المتكلم مستغنيا عن ذكره للسامع بدليل أن العادة كافية في إفهام السامع ذلك فلو أخبره بثبوت ذلك الوصف لكان ذلك تحصيلا للحاصل ... اهـ

فأنظر أخي الكريم القيد الذي يخرج مخرج الغالب أصله مفهوم المخالفة و هذا معتبر في السبب لا في الحكم و الله أعلم اهـ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015