قواعد يجب مراعاتها قبل تطبيق قوله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".

ـ[أبو سعيد الباتني]ــــــــ[01 - Oct-2009, مساء 09:39]ـ

وقفات:

في بيان قواعد يجب مراعاتها قبل تطبيق قوله:

"إذا صح الحديث فهو مذهبي".

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعد:

"إذا صح الحديث فهو مذهبي"

مقولة:

عُرِفت عن الإمام الشّافعي، ونقلها عنه الأصحاب، وغيرهم ...

ونُقلت أيضا عن غيره من الأئمة.

قال الإمام ابن كثير:

"هذا من سِيادته وأمانته – أي الشّافعي- وهذا نَفَس إخوانه من الأئمة رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين".

ورواها الإمام ابن عبد البر في الانتقاء عن الإمامين مالك وأبي حنيفة 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - جميعا.

ونقله الإمام الشعراني في الميزان الكبرى عن الأئمة الأربعة.

بل هذه المقولة هي لسان حال كلّ مسلم عَقِل معنى لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله.

وصحيح أنّ فيها إطلاق، ولكن أئمة المذاهب قد شرحوا مقصد الأئمة منها، وبينوا قيودا وقواعد يجب مراعاتها قبل تطبيقها.

ولذلك:

حاولت أن أجمع بعض أقوال الأئمة المتعلّقة بها (ولو أنّي وجدت بعضها مجموعا)، وأَنظمها في أربع قواعد أخال أنّها جامعة لمفهومها، عسى أن ينفعني بها الله، ومن قرأها.

ـ[أبو سعيد الباتني]ــــــــ[01 - Oct-2009, مساء 09:43]ـ

القاعدة الأولى:

قول الإمام الشّافعي (إذا صح الحديث فهو مذهبي)

خاص بقوم توفرت فيهم شروط معينة.

قال أبو شامة المقدسي:

" ... ولا يتأتى النهوض بهذا إلاّ من عالم معلوم الاجتهاد، وهو الذّي خاطبه الشّافعي بقوله: إذا وجدتم حديث رسول الله (ص) على خلاف قولي فخذوا به ودعوا ما قلت، وليس هذا لِكلّ أحدا".

وقال ابن الصلاح في كتابه أدب الفتوى والمستفتي (1/ 53):

"ليس العمل بظاهر ما قاله الشّافعي بالهيِّن، فليس كلّ فقيه له أن يستقل بالعمل بما يراه حجة من الحديث".

وقال الإمام النووي في "المجموع" (1/ 64):

"إنما هذا- يعنيكلام الشّافعي-فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب".

وقال السبكي رحمه الله في"معنى قول المطلبي" (ص: 93):

"وهذا الذّي قالاه (يقصد الإمامان ابن الصلاح، والنووي) ليس ردا لما قاله الشّافعي، ولا لكونه فضيلة امتاز بها عن غيره، ولكنّه تبيين لصعوبة هذا المقام، حتىّ لا يغتر به كلّ أحد ... "انتهى.

ـ[أبو سعيد الباتني]ــــــــ[01 - Oct-2009, مساء 09:51]ـ

القاعدة الثانية:

أن يبلغ على ظنِّه أنّ الأئمة لم يبلغهم الحديث، لذلك انصرفوا عن العمل به.

وهذه القاعدة لو فَهِمها كثير من طلبة العلم لقَلَّ تعقيبهم على أقوال الأئمة، ولأحسنوا الظنّ فيهم، فكثير منهم إذا قرأ حديثاً حَسِب أنّ الحق حصحص، وأنّ النّاس جميعا يجب أن يلتفتوا حول هذا الحق بزعمه (!)، فإذا سُئِل بعدها عن قول الأئمة، ضربها عرض الحائط، وقال: إن الأئمة لم تصل إليهم أحاديث كثيرة!.

قال الإمام النووي (1/ 64):

"وشرطه أن يبلغعلى ظنِّه أنّ الشّافعي رحمه الله لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحته، وهذا إنمّا يكون بعد مطالعة كتب الشّافعي كلّها، ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه وما شابهها".

ثمّ قال:

"وهذا شرط صعب قَلَّ من يتصف به".

ثمّ قال مبينا وجه هذا الشرط:

"وإنمّا شرطوا ما ذكرنا لأنّ الشّافعي رحمه الله تركالعمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها، ولكن قام الدليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أوتخصيصها، أو تأويلها ونحو ذلك" انتهى.

وأظن أنّ هذا الكلام فيه عبرة لمن أراد أن يعتبر!.

قال الكمال بن الهمام

معقبا على من قال في مسألة أنّ الإمام أبا حنيفة لم يصله فيها الحديث:

"كلّ ذلك لِعدم اطلاعهم على مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، والقول بأنّ الحديث لم يبلغه غير صحيح فإنّه مذكور في مسنده".

تنبيه:

قد يكون الإمام عَلِم الحديث وتركه، وفَهمُه في ترك الحديث أولى من فهم غيره، والاقتداء به أحمد للعاقبة ...

فتأمل.

ـ[أبو سعيد الباتني]ــــــــ[01 - Oct-2009, مساء 09:56]ـ

القاعدة الثالثة:

أن ينتفي المعارض.

صحيح أنّ الأئمة مجمعون على حجية السنة، وأنّ قول النبي (ص) دليل من أدلة الأحكام الشرعية، لم يخالف في ذلك أحد منهم.

وهذا الأمر على عمومه، أمّا في حالات خاصة فقد يقدم على حديث رسول الله (ص) دليل آخر أقوى منه، لوجود مقابلة بينهما اقتضت الترجيح، لذلك يجب النظر في المعاريض.

وقبل أخي أن تنتفض وتقول:

"من استبانت له سنة رسول الله .... "، أدعوك أن تستمر في القراءة.

قال الإمام شهاب الدِّين القرافي في شرح التنقيح:

"كثير من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا، ويقولون: مذهب الشّافعي كذا، لأنّ الحديث صح فيه، وهو غلط، فإنّه لابد من انتفاء المعارض".

وقال ابن عابدين الحنفي في حاشيته (1/ 258):

"ما صح فيه الخبر بلا مُعارِض فهو مذهب للمجتهد وإن لم ينص عليه".

وإذا فهمت هذا، وعَلَت بك هِمة، فهي نصيحة من قلبي أن تبحث عن معنى المعارض، وما يصلح أن يكون معارضاً، واعلم أنّ الأئمة قد اختلفوا في ذلك.

فهذا الإمام مالك رحمه الله نجم السنن يقدّم العمل على الخبر، وكان يقول:

"كان رجال من التابعين تبلغهم عن غيرهم الأحاديث فيقولون: ما نجهل هذا، ولكن مضى العمل على خلافه". الجامع لابن أبي زيد، ص: 117.

وقال ابن المعذّل:

"سمعت إنساناً سأل ابن الماجشون: لِم رويتم الحديث ثمّ تركتموه؟، قال: لِيُعلَم أنّا على عِلم تركناه".

وقال إبراهيم النخعي:

"لو رأيت الصحابة يتوضؤون إلى الكوعين لتوضأت كذلك وأنا أقرأها إلى المرافق، وذلك أنّهم لا يُتهمون في ترك السنن، وهم أرباب العلم، وأحرص خلق الله على إتّباع رسول الله عليه السلام، فلا يظن ذلك بهم أحد إلاّ ذو ريبة في دينه".

فتأمل أحي الحبيب، ولا تحسبن أنّك أحرص على حديث رسول الله (ص) منهم، وأميل إليه من أقوالهم.

قال أبو يوسف:

"ما خالفت أبا حنيفة في شيء، فتدبرته إلاّ رأيت مذهبه الذّي ذهب إليه أنجى في الآخرة، وكنت ربّما مِلت إلى الحديث، فكان هو أبصر بالحديث الصحيح منّي".

وما أكثر المسائل التّي يدندن عليها بعض من حَفِظ هذه المقولة، وراح يُشغِّب على من يعمل بمسائل قال بها جماهير الأئمة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015