عندك أنني منذ الصغر حتى هذه اللحظة أشهد أنه لا إله إلا أنت، وأن محمد عبدك ورسولك، وأنني مؤمن بملائكتك وكتبك ورسلك، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره .. وأنني ألوذ بك، وأعتصم بك، وأسألك هداية التوفيق، وأبرأ من الحول والقوة إلا بك) .. ثم غلبني البكاء فلم أحص من كلامي شيئا إلا استعاذتي مما يجلب غضب ربي ومقته ومكره، وأردد الحديث الذي فيه: (وأعوذ بك منك)، ونسيت نفسي في سجودي أدعو ربي ألا يقذف بي في النار، وألا يخترمني على كفر أو فسق، وأن يصحب بقية عمري بالعصمة والعفو عما سلف، وأن ييسر لي طاعته وعبادته والعلم النافع تعلما وتعليما عوضا عن سهر ليال في علم غير نافع -بأوراق مبعثرة تنيف على ثلاث مئة رزمة-؛ فذهبت كل تلك الليالي سبهللا .. وكنت إذا أردت أن أترك ما أراه معصية لا أعاهد ربي على ذلك خوفا من عودتي فيبطش ربي بي، ويحيقني بمكره؛ لأن الإصرار مع الاستغفار مكر، والله يمكر بمن يمكر به .. وإنما أقول في سجودي: (ها أنا يا ربي أعلن إقلاعي وندمي وعزيمتي على عدم العودة عزيمة لا عهدا، ولا حول ولا قوة إلا بك، وأنت المستعان؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين) .. وبعدها تدرجت في معارج من حياتي أثلجت صدري، ولا أزال أتنقل من حسن إلى أحسن، وتدربت على أن يكون لتلاوة كتاب الله (بتدبر من غير استعجال على ختم القرآن) نصيب من وقتي، وأن أقضي رياضتي على السير الكهربائي بتمهل على امتحان أصوات المقرئين من كل بلد، والانتقاء من أصواتهم، والتدبر للتلاوة .. وأحضر بجني المصحف عند تلاوتي دفترا وجزءا من تفسير القرطبي فيه السورة التي أتلوها؛ فأراجع بسرعة ما أشكل علي؛ فإن تكاسلت سجلت رقم الآية ونوع الإشكال؛ لأراجعه فيما بعد، فكنت أحقق مسائل وأسودها كلما وجدت نشاطا، وكنت سابقا أستوحش إذا طال استماعي لمن أحبهم من المطربين؛ فما كانوا اليوم عندي يقومون ولا يقعدون، ولا أجد نفسي تميل إليهم؛ فعلمت سر الصدق مع الرب في الإنابة، والاعتراف بالذنب والتقصير؛ والإلحاح في الدعاء .. ثم بعد ذلك تيقنت السر العظيم في الشد إلى الله بصوت جميل صاحبه رباني ذو علم وخشية يتغنى بكلام الله .. ولو نشأنا على هذه الأصوات الربانية لما هوّم بنا الوسواس الخناس إلى (أنت عمري) و (وسط الطريق) .. الخ .. الخ.

ثم أدركت أسبابا سببت بقاءنا على الأمية العامية في التلاوة، وهي عامية لا تملك صوتا جميلا يتغنى بكلام الله على طريق الفصحى التي نزل بها القرآن، وعلق بذهني الأسباب التالية:

أ- أن كبار القراء كانوا خارج محيطنا .. ومحيطنا المنطقة الوسطى، وجنوب الجزيرة ما بين نجد واليمن والمخلاف السليماني.

ب- أننا عرفنا كبار القراء مع جهاز الراديو، ومن خلال الصحف والمجلات.

ج- رأوهم حليقي اللحى، وهي معصية تشمئز منها بيئتنا.

د- قرأوا وسمعوا من أخبار بعضهم أنه يشرب الدخان، ويشرب بعضهم ما يمزج مع الدخان أو ما هو مثله مما روجه دجالو الصوفية المدعون الجذب والكشف والوجد .. ولا ريب أن الدخان وحده يرفضه الاجتهاد بالاستنباط إلى درجة التحريم؛ لمضاره الدنيوية، ولعزله صاحبه عن الاختلاط الطويل بالصالحين .. وهذا حق في ذاته، ولكنه لا يطفئ نور الإيمان، ولا يصد عن ذكر الله، ولا يقسي القلب، ولا يمنع من الاستنصار بالله على الهوى والنفس والشيطان وضعف الإرادة؛ فتحصل العصمة على المدى، ونية المؤمن خير من عمله، والطاعات وإن صغرت تجر إلى طاعة أكبر على المدى أيضا، والإقلاع عن بعض الذنوب وإن صغرت يجر إلى التجرد من الفواحش ما ظهر منها وما بطن على المدى أيضا، وربما رفع الله درجة المؤمن العاصي إلى درجة المحسنين، وجعل خلقه القرآن، وختم له بخير؛ فمحيت ذنوبه؛ فكان كيوم ولدته أمه، ولم يجد أمامه إلا رحمة ربه وعمله القاصر أو الطيب الذي ختم له به مضاعفا أضعافا كثيرة بإحسان ربه، ونحن لا نسأل الله عدله، فذلك وعد حتمي كتبه ربنا على نفسه برحمته؛ فهو القادر المتصرف في ملكه لا غالب لأمره، ومن عامله ربه بعدله هلك، وإنما نسأله رحمة ربنا ولطفه وهدايته التوفيقية بعد هدايته الإيضاحية البيانية في الشرع والكون؛ لأن ذلك هو طلب الإذن من ربنا بالإيمان والصلاح، فالله سبحانه قال: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} (سورة يونس-100)، وقال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (سورة

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015