6 - ضجيج المستمعين للتلاوة مثل: الله يكرمك، والله ينعم عليك، يا صلاة الزين، الصلاة على النبي، والله أكبر؛ فكل هذا من البدع، والمشروع الإنصات بصمت، والإسرار: بالتأمين، والدعاء، وسؤال رحمة الله وفضله، والاستعاذة به في آيات الترغيب والترهيب، والتقديس عند ذكر أسمائه الحسنى وأفعاله سبحانه.
ولقد أفتى علي السيستاني -وهو مرجع شيعي- بتحريم تلاوة عبدالباسط، وأحمد العجمي، وتحول هذا التحريم إلى عمل؛ فقامت المليشيات الشيعية بمصادرة أشرطته، وفرضوا ذلك على محطة الشرق الفضائية، ورفض ذلك مديرها الدكتور سعد البزاز سكرتير عدي سابقا (7).
قال أبو عبدالرحمن: تلاوة عبدالباسط ثلاثة أقسام: تلاوة ليس بها محذور (وهي الترتيل)، وتجويد يوجد فيه التلحين أحيانا، وتلحين محض؛ فينبغي التفريق .. غفر الله له ورحمه.
قال أبو عبدالرحمن: أترابي الذين تناوشوا سبعين عاما أو سلخوها، ومَن قبلهم من أجيال في عصور العامية -ولو كان ذلك بعد إشراف دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله- ظلموا كثيرا في التلاوة واللغة، وسأقصر حديثي على جيلي الذين عاشوا التعليم المدني أيام الدراسة المرحلية؛ فقد كان التجويد مقررا لنا في مرحلة الابتدائي فقط، وكان علما نظريا (8) بحتا ولا سيما إن كان المدرس سعوديا؛ لأنه لا يملك الأداء الصحيح تطبيقا وإن حذقه نظريا، ولم يكن في بيئتنا مقرئون يحسنون التجويد، وإنما يوجد نوادر من شيوخ العوام الأتقياء الذين يملكون حلاوة الصوت ولا يحسنون التجويد، ولكنهم يحسنون الإمعان في القرآن وتدبره مع سلامة تنشئتهم على الفطرة؛ فهذه الظاهرة تجعل المستمع يخشع ويبكي ويطرب لحلاوة الصوت على الرغم من صغر سن المستمع .. وأكثر هؤلاء الأتقياء لا يملك حلاوة الصوت ولا الإبانة، وكأنه في تلاوته يفرقع حصى صلدا من أعلى الجبل إلى أسفله .. هذه واحدة، والثانية أن التجويد من صميم لغة العرب وجمالياتها؛ لأن العرب تعطي الحرف مسافته الزمنية من مخرجه، وتنبر نبرا عروضيا -ولا أريد نبر الهمزة في اللغة-؛ فيظهر من هيئة نطقهم معنى التعجب والتوجع والاستغاثة والسؤال والإنكار والتقرير والوعد والإيعاد .. الخ، وهذا معنى الفصاحة ومعنى شطر من البلاغة؛ فكان أداؤهم جماليا مطربا، وبيئتنا محرومة من هذه النعمة؛ فأصيبت حلوقنا بتخثر البحة والخنة والحشرجة، وبليت ألسنتنا بالعنة (بالعين المهملة)؛ بالالتهام للكلام، وسبق اللسان للفكر؛ فكان طالب العلم عندنا يقول: (رسول الله صَلَّهْ عليه وسلم) يريد (صلى الله!!!)، وهذا مثل بعض الأقطار المجاورة تقول: (الله بالخير) أي (صبحك الله بالخير)؛ فأصبحت (الله بالخير) مثلا يطلق على من لا يميز بين كوعه وكرسوعه، وعُشر عالم مصري مثلا يوصل علمه بذلاقة لسانه بتأثير البيئة ذات القراء (وإن لم يكن هو فصيحا على أداء العرب بالتمام) إلى طلابه أكثر من العالم المبرز عندنا .. وكان شيخنا وشيخ الأجيال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله لا يلحن نحوا في كلامه العادي، ولكنه رحمه الله كأبناء بيئته يلتهم الكلام أحيانا؛ إذن (9) عشنا في بيئة مزكومة اللغة .. وكانت بيئتنا بحمد الله نقية تقية توسعت في باب سد الذرايع؛ فلم ندرس نظرية المعرفة؛ لأن من تمنطق تزندق، ولم نتكلم بأداء عربي فصيح جميل مطرب؛ لأن من تحرى غير ما في بيئته فقد تشدق .. والتشدق مذموم!! .. ولم نلتذ بكلام الله من خلال مقرئ يتغنى بكلام الله وفق لغة العرب التي نزل بها القرآن؛ لأن من تعدى تلاوة البيئة فقد تفيهق .. والتشدق والتفيهق والتمنطق كلها في سمط المذمومات؛ فاستحوذ علينا الشيطان، وحبب إلينا أصوات الغناء لا التغني؛ فإن أخذتنا السكرة ردحنا مع أم كلثوم والسنباطي .. الخ .. الخ .. وإن أخذتنا الفكرة ردحنا مع ألحان عبدالباسط في غنائه بالقرآن الكريم في مثل (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) في شريط قصار الصور .. ومنذ خلعت خمسين عاما اشتد التجاذب والتطاحن عندي بين غرائز الإنابة، وغرائر الفكر، وغرائز الهوى؛ فلما أوشكت على خلع سبعين عاما عقب تلاوة مؤثرة خنقتني عبرة مباشرة لا أعرف سببها، ثم أحسنت الوضوء، ثم أحسنت الصلاة في جلاد مرير مع الخناس الوسواس، وفتح لي في السجود بدعاء لم يكن ببالي قط -وهي إيقاظ ملك كريم من رب رحيم- فقلت من غير تعمل، بل كأن ممليا يملي علي: (يارب إن وسيلتي إليك، وشفيعي
¥