رواه أبو داود و أحمد والترمذي و صححاه، وحسنه الألباني في الإرواء و المشكاة و صحيح السنن.

و استدلوا أيضا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش – و اسم أبي حبيش هو قيس بن المطلب- من حديث أسماء عند أبي داود:

فعن أسماء بنت عميس قالت: قلت: يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبحان الله! هذا من الشيطان، لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا واحدا، وتتوضأ فيما بين ذلك) اهـ.

و إسناده صحيح على شرط مسلم، وكذلك قال الحاكم والذهبي، و صححه أيضا ابن حزم، انظر (صحيح أبي داود) رقم (307).

قاله الألباني في المشكاة.

قلت: حديث حمنة فيه التخيير بين الغسل وتركه و ليس فيه الإلزام، وحديث فاطمة بنت أبي حُبيش في رواية أبي داود رده الجمهور وقالوا: إنه مخالف لرواية البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة، وهناك من أهل العلم من سلك سبيل الجمع، فجعل الأمر فيه للاستحباب بدليل الأحاديث الأخرى التي لم يأت فيها الأمر بالغسل لكل صلاة، أو جاء فيها التخيير كما في حديث حمنة.

و هذا الأخير هو الذي يجمع بين النصوص، و سيأتي في القول السابع.

القول الثالث:

و هو مذهب جمهور أهل العلم: مالك و أبي حنيفة و الشافعي و أحمد:

من أنها تغتسل غسلا واحدا عند انقضاء وقت حيضها، و ضعفوا الأحاديث التي في السنن، وقالوا: إنها خلاف الحديث الذي في الصحيحين حديث فاطمة بنت أبي حبيش.

القول الرابع:

أن الغسل واجب عليها لكل صلاة.

و رووا هذا عن علي و ابن الزبير و ابن عباس وسعيد بن جبير، وذكره أبود عنهم بلفظ رُوي، وصححه الألباني، و هو قول ابن عُلية، و استدلوا بحديث أم حبيبة عند أبي داود و النسائي:

(أنها استحيضت فأمرها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن تغتسل لكل صلاة).

و قالوا: لأنه لا يأتي عليها وقت صلاة إلا وهي شاكة هل هي حائض أو طاهر مستحاضة.

و هذا غير مسلّم إذا كانت قد عرفت أيام عادتها، فإنها بنص حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غير حائض في غيرها.

القول الخامس:

أن الغسل لكل صلاة خاص بالتي لا تعرف عادتها ولا تميز دم الحيض من الاستحاضة، وحملوا حديث أم حبيبة على ذلك، وقال بهذا الشافعي والخطّابي.

لكن هذا المذهب يعكر عليه عدم استفسار النبي – صلى الله عليه وسلم – عن حالة كل من النساء اللائي استفتينه عن الاستحاضة، وعدم استفصاله كل واحدة معناه شمول كل حالات المستحاضة.

و القاعدة عند أهل الأصول:

ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنزّل منزلة العموم في المقال.

القول السادس:

بأن الأحاديث التي فيها الأوامر بالغسل لكل صلاة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، وهذا ما نزع إليه العلامة الطحاوي في (شرح معاني الآثار).

قال السفاريني في (كشف اللثام شرح عمدة الأحكام):

(وقال الطحاوي: حديث أم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، لأن فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة دون الغسل.

و الجمع بين الحديثين بحمل الأمر بالغسل على الندب أولى، و لهذا استحبه سيدنا الإمام أحمد – رضي الله عنه – و الله أعلم) اهـ.

و لا يخفى أن القول بهذا فيه ضعف، ذلك أن القول بالنسخ يحتاج إلى معرفة اللاحق من السابق، وإلى تعذر الجمع بين النصوص، و الجمع هنا ممكن فهو أولى من القول بالنسخ.

القول السابع:

أن الغسل لكل صلاة مستحب وليس بواجب، و بهذا يجمع بين الأدلة – كما سبق-.

قال الموفق ابن قدامة المقدسي في (المغني) في قوله –صلى الله عليه وسلم – (تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي):

" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ مُسْتَحَبُّ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَفْضَلُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَالْأَخْذِ بِالثِّقَةِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ، ثُمَّ يَلِيهِ فِي الْفَضْلِ وَالْمَشَقَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَالِاغْتِسَالُ لِلصُّبْحِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ: {وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ}.

ثُمَّ يَلِيهِ الْغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً بَعْدَ الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ أَقَلُّ الْأُمُورِ وَيُجْزِئُهَا.

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ "اهـ.

و قال السفّاريني في (كشف اللثام):

(و قال الإمام أحمد: إن اغتسلت لكل صلاة فهو أحوط، و كذا قال إسحاق) اهـ.

و قال:

( .. و الجمع بين الحديثين بحمل الأمر بالغسل على الندب أولى، و لهذا استحبه سيدنا الإمام أحمد – رضي الله عنه – و الله أعلم) اهـ.

الترجيح:

و يظهر لي أن القول السابع هو أظهر هذه الأقوال – والعلم عند الله تعالى – ذلك أن به تأتلف الأقوال و تجتمع، ولا يرد عليه ما ورد على ما سبقه.

و الله أعلم.

و الحمد لله رب العالمين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015