والقصة التي ذكرها ابن عساكر في تاريخه أنه كان أربعة من أشراف بني اسرائيل راودا امرأة جميلة من بني اسرائيل عن نفسها وكانت بارعة الجمال فمنعتهم وحاولوا أن يصلوا إليها فامتنعت فاتفقوا على أن يحتالوا عليها حيلة فيقتلونها، فجاءوا وشهدوا عند داوود أن عندها كلباً علمته الزنا وأنها تزني مع كلبها وكان مثل هذا عند داوود يقتضي حكم الرجم فدعا داوود بالشهود فشهد الأربعة على أنها تزني بالكب فرجمها داوود، قالوا وكان سليمان اذا ذاك صغيراً فجمع سليمان الصبيان وجعل منهم شرطاً قال فلان وفلان جعلهم كالشرطين وأخذ قوماً وجعلهم شهوداً وجاءوا يشهدون فقام وجعل رجلاً كأنه امرأة وقالوا نشهد أن هذا زنت مع كلبها ثم قال سليمان للسياف والذين جعلهم كالشرط خذوا كل واحد منهم وفرقوهم وائتوني بهم واحداً واحداً، فجاءوه بالأول وقال له: ما تقول في شهادتك؟ قال: أقول انها زنت بكلبها. قال له: وما لون الكلب؟ قال: كان لون الكلب أحمر. ثم دعا بالثاني وقال: ما لون الكلب؟ قال: كان لون الكلب أسود، ثم دعا بالآخر فقال: أغبر، فاختلفت أقوالهم في لون الكلب فعلم أنهم كذبة فقال: اقتلوهم لأنهم قتلوها وسمع داوود الخبر ف أرسل للشهود حالاً وفرقهم وجاؤه واحداً واحداً فسألهم واختلفوا في لون الكلب فعلم أنهم شهدوا عليها شهادة زور ليقتلوها حيلة فقتلهم قصاصاً. هكذا قال والله أعلم.
وعلى كل حال فالقياس هو قسمان صحيح وقياس فاسد
فما جاء به الظاهرية من ذم القياس والسلف فهو ينطبق على القياس الفاسد، والصحابة كانوا باجماع على القياس الصحيح.
وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن جاءه ثلاث نفر يختصمون في غلام كل يقول هو ابني فقال: اقترعوا على الغلام فوقعت القرعة على واحد منهما فقال للذي جاء الغلام في نصيبه قال له: خذ الغلام الغلام وادفع لكل واحد منهما ثلث الدية ثلث دية الغلام. قالوا: فلما بلغ قضاؤه النبي صلى الله عليه وسلم ضحك من قضاء علي رضي الله عنه حتى بدت نواجذه.
ومن ذلك حديث معاذ الذي قال له: بم تقضي قال بكتاب الله قال وان لم تجد قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فان لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي، قال الحمد لله الذي وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث يقول ابن حزم أنه باطل لا أصل له لأنه رواه الحارث بن عمر وابن أخ المغيرة عن ناس من حمص مجهولين، فهي رواية مجهول عن مجاهيل والاستدلال به ضلال.
وقال ابن كثير في مقدمة كتاب تفسيره أنه رواه أصحاب السنن باسناد جيد وذكر بعض العلماء أنه جاء من طريق عبادة بن أسيد عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل والاسناد إلى هنا صحيح لا شك في صحته لأن رجاله معروفون، الا أن البلية من قبل عبادة بن أسيد والظاهر أن الذي رواه عن عبادة بن أسيد هو محمد بن حسان المصلوب والذي صلبه أبو جعفر المنصور في الزندقة وهو كذاب لا يحتج به فالحاصل أن حديث معاذ لا طريق له الا طريق السنن التي فيها الحارث بن عمرو وعن قوم من أصحاب معاذ من أهل حمص.
والذين قالوا ان الحديث صحيح وأنه يجوز العمل به لأمرين:
أحدهما: أن الحارث بن عمر وثقه ابن حبان وان كان ابن حبان له تساهل في التوثيق فالحديث له شواهد ومؤيدات يعتضد بها كحديث مقبول.
وكذلك قالوا: ان علماء المسلمين تلقوا هذا الحديث خلفاً عن سلف وتلقى العلماء للحديث بالقبول يكفيه عن الاسناد وكم من حديث يكتفي بصحته عن الاسناد يكتفي بعمل العلماء به في أقطار الدنيا لأن هذه الأمة اذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلاً واكتفى بذلك عن الاسناد.
وعلى كل حال فالقياس الباطل هو المذموم والقياس الصحيح هو الحاق النظير بالنظير على وجه صحيح لا شك في صحته.
والصحابة كذلك يلحقون المسكوت بالمنطوق به وهذا كثير وقد مثلنا له بأمثلة كثيرة ونرجوا الله جل وعلا أن يوفقنا لما يرضيه وأن يختم لنا بالسعادة.
اللهم أختم بالسعادة آجالنا وأختم بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى جنتك مصيرنا ومآلنا. اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما عطيت وقنا شر ما قضيت فانك تقضي ولا يقضى عليك.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا. وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي اليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم فالق الاصباح وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً، أقض عنا الدين واغننا من الفقر وأمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا في سبيلك ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وأن نعمل صالحاً ترضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المذكرة الأصولية على روضة الناظر وجنة المناظر للإمام النظار الأصولي محمد الأمين الشنقيطي-رحمة الله عليه-
قد اجمع الصغير و الكبير على القياس بل هو مما فطر الله عليه البشر و لابن القيم كلام طيب في اعلام الموقعين لمن اراد الاستزادة و السلام عليكم
¥