والرسل صلوات الله وسلامه عليهم ردوا عليهم هذا القياس ورده عليهم في آيات لما قالوا للرسل: (إن أنتم إلا بشر مثلنا)، فأجابهم الرسل قالوا: ما نحن الا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فمشابهتنا في البشرية لا تستلزم عدم تفاوتنا في فضل الله كما قال جل وعلا: " قالوا أبشر يهدوننا، لئن أطعتم بشراً مثلكم انكم اذاً لخاسرون. وقالوا فيه يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون. وقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه انا اذاً لفي ضلال وسعر " وهذا كثير في القرأن وهذه الأقيسة فاسدة.
والحاصل أن القياس منه صحيح، ومنه فاسد.
والصحيح هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون وعامة المسلمين،وأحكام الصحابة بالقياس لا يكاد أحد يحصيها.
فقد جاء في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن المجتهدين يختلفون في اجتهادهم وكلهم لا اثم عليه ولا حرج عليه لأنه قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. هذا نص صحيح صريح سمعه الصحابة بآذانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم راحوا من المدينة إلى ديار بني قريظة وأدركتهم صلاة العصر في الطريق فاختلفوا في فنهم هذا الحديث وكل اجتهد بحسب ما أدى إليه فهمه فجماعة قالوا ليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤخر صلاة العصر عن وقتها ولكن مراده الاسراع إلى بني قريظة فنصلي ونسرع فصلوا وأسرعوا وجماعة قالوا: الصلاة وجبت علينا على لسان رسول الله أن تؤخر صلاة العصر عن وقتها ولكن مراده الاسراع إلى بني قريظة فنصلي ونسرع فصلوا وأسرعوا وجماعة قالوا: الصلاة وجبت علينا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو قال لنا أتركوها إلى يوم القيامة تركناها إلى بني قريظة.
وجاء النبي ولم يصلوا واجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وهم في خلاف بين مشرق ومغرب لأن من صلى ومن لم يصلي مختلفاً، وهو صلى الله عليه وسلم فررهم جميعاً ولم يخطئ أحداً منهم ولو ك ان واحد منهم فعل غير صواب أو حراماً لما أقره الرسول عليه لأنه لا يقر على باطل ولا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.
وثبت في صحيح البخاري عن الحسن البصري مضمونه ومعناه أنه كان يقول: لولا أنه من كتاب الله أشققت على المجتهدين، وهي قوله تعالى:" وداوود وسليمان اذ يحكمان في الحرث لأن الله جل وعلا صرح في الآية بأنهما حكما حيث قال انه يحكمان بألف الأثنين الواقعة على داوود وسليمان، ثم قال ففهمناها سليمان ولم يذكر شيئاً عن داوود فعلمنا أن داوود لم يفهمها لأنه لو فهمها لما اقتصر على ذكره ولم يكن للاقتصار على ذكر سليمان فائدة مع أنهما فهماها ولو كان هذا وحياً من الله لما فهمها أحدهما دون الآخر لأن الوحي أمر لازم للجميع ودل على أنهما اجتهدوا وأن داوود لم يصب في اجتهاده وأن سليمان أصاب في اجتهاده والله أثنى على كل منهما ولم يؤنب داوود بل قال بعده: وكلا آتينا حكماً وعلماً.
وقد ثبت في الصحيحين ما يستأنس به لأنه ثبت في الصحيحين أن داوود عليه السلام في زمانه جاءته امرأتان نفستا وجاء الذئب واختطف ولد واحدة منهن وكانت التي اختطف ولدها هي الكبرى وبقي ولد الصغرى فقالت الكبرى هذا ولدي واختصمتا وتحاكمتا إلى داوود فقضى به للكبرى اجتهاداً منه لأمارات ظهرت له أو لشيء في شرعه يقتضي ظاهره ذلك الاجتهاد.
فرجعتا إلى سليمان، فلما رجعتا إلى سليمان قال: كل واحدة منكما تدعيه هاتوا بالسكين أشقه بينهن نصفين فأعطي نصفه لهذه ونصفه لهذه. وكان أبو هريرة يقةل: ما سمعت بالسكين إلا ذلك اليوم ما كنا نقول لها الا المدية، فلما قال انه يشقه جزعت أمه التي هي الصغرى وأدركتها رأفتها للولد فقالت له لا. يرحمك الله هو ابنها وأنا لاحق لي فيه. وكانت الكبرى راضية بأن يشق لتساويها أختها في المصيبة فعلم سليمان أن الولد للصغرى وحكم به للصغرى. وذلك ابن عساكر في تاريخه ما يشبه هذه القصة عن داوود وسليمان إلا أنه في تاريخ ابن عساكر والله أعلم بصحتها وبعدم صحتها الا أن هذا الذي ذكرنا الآن اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة.
¥