فإذا تأملنا هذا المعنى، تبين لنا أن سؤال: "هل كل كافر جُنب؟ " جوابه أن الجنابة الشرعية الاصطلاحية لا تلحق – لا كوصف لازم ولا عارض - بالكافر أصلا من حيث كونه يجب عليه "مجانبة" عبادات مخصوصة حتى يطهر بطهارة مخصوصة .. هذا على القول بأنه غير مخاطب بالأحكام التكليفية على حال كفره، وإلا فعلى القول بأنه مخاطب، فهو جُنُب من أول مرة أحدث فيها – أنزل فيه منيا - إلى يوم أن يدخل في الإسلام – إن أسلم - ويطهر من الحدث الأكبر الطهارة الشرعية، ولا يقال أن اغتساله على حال كفره يرفع عنه الجنابة لأن الغسل عبادة لا يتحقق المراد الشرعي منها إلا بوجود نية رفع الجنابة، والكافر لا ينوي تلك النية أصلا إذا ما اغتسل، فهو من هذا الوجه جُنُب أبدا حتى يطهر ..
ولو قيل هل يَجنُب الكافر، أو هل يصبح جُنبا؟ لكان أقوم وأبعد عن الالتباس، وعن اختلاط الصورة في الأذهان بوصف النجاسة .. لأن الجنابة صفة عارضة تتعلق بخروج المني، وكما تقدم لا يوصف بها من أتى أهله أو أنزل منيا إلا لأنه يُبعَد بسبب ذلك عن جنس من العبادات معلوم، مما يُشترط له طهارة مخصوصة من ذاك الحدث ..
ومعلوم أن الجُنُب لا يُجنِب غيره إذا مسه، فالجنابة لا تنتقل من الجنب إلى غيره بمسه إياه ولا بمؤاكلته ولا بغير ذلك مما يفعل الناس، إلا أن يكون جماعا بين رجل وامرأة فإنها تجنب بسببه ويجنب بسببها.
أما النجاسة فوصف إما على العينية أو على المعنوية، ولا يلحق شرعا إلا بما تحققت فيه الصفة الشرعية، فكان نجسا عينا لا يطهر (كالميتة والخنزير)، أو نجسا عينا ويطهر "منجسا" (كالثوب إذا تنجس)، أو نجس نجاسة معنوية (وهو التحقيق الشرعي في صفة نجاسة الكافر، ونجاسة الخمر، ونجاسة الميسر على الصحيح)
والنجاسة العينية تنتقل بالمساس، بمساس الشيء النجس وما تولد عنه، بخلاف الجنابة فلا تنتقل إلا على نحو ما تقدم ذكره.
يقول الصاحب ابن عباد: "النّجِسُ: الشَّيْءُ القَذِرُ" (المحيط 2/ 91)
وقال الأزهري في تهذيب اللغة: "وقال الليث: النَّجِسُ: الشيء القذر من الناس ومن كل شيء قذرته." (3/ 462)
وعلى هذا فالنجاسة لغة أعم وأوسع من النجاسة الاصطلاحية الشرعية، والشيء لا يقال له نجس يراد به النجاسة الشرعية إلا إذا دل الدليل على تعلق تلك الصفة به، وإلا فالأصل في الأشياء البراءة منها.
فإذا نص الشارع في التنزيل على أن المشركين نجس، وجب لحاق صفة النجاسة بهم كما وصفهم الرب جل وعلا، ولا نزاع في هذا. ولكن إذا عُلم أن اللفظ في اللغة عام، فقد يُطلق على مجرد استقذار الشيء، وجب النظر في طبيعة ومعنى تلك النجاسة بالنظر فيما يقوم بها من أحكام .. ولهذا فلما استقرأ أهل العلم أحكام النجاسة المصطلح عليها بالعينية، ووجدوا أنها لا تلحق بالمشركين – لا دليل على لحاقها بهم – اصطلحوا على تلك النجاسة بوصفها "معنوية" أي في معنى النجاسة، وهي قذارة الباطن ونجاسته لبقائه على ملة الكفر .. وعند التأمل يتبين أن هذه النجاسة الموصوف بها المشركون لا دليل على أنها نجاسة عينية .. فدليل جماهير العلماء هنا عدم الدليل .. أعني عدم الدليل على أن نوع النجاسة المرادة هنا وطبيعتها هي النجاسة العينية .. فلا حجة للظاهرية في قولهم أن لفظ النجاسة ظاهره النجاسة العينية لأنه لفظ عام واسع من جهة اللغة، فلا نقيده إلا بما جاء النص بتقييده به .. ولا نبني عليه من الأحكام إلا ما جاء به النص أو صح به القياس بلا شذوذ، وعلى هذا فلو تأمل العقلاء لوجدوا أن مذهب الظاهرية في هذه المسألة منقوض حتى على أصولهم! لأن الصواب أن ظاهر لفظ النجاسة عام محتمل، فبأي دليل صارف صرفوه إلى النجاسة العينية، والواقع أنه لا دليل على لحاق أحكام النجاسة العينية بأعيان الكفار والمشركين؟؟ ليس كل ما يوصف بأنه نجس أو بأنه رجس تلحق به صفة النجاسة العينية، ولنا في خلاف العلماء في نجاسة الخمر والميسر عبرة ..
بل إنك أيها اللبيب إن تأملت تبين لك أن النجاسة التي ألحقها القرءان بالمشركين في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)) الآية [التوبة: 28] تفترق مع النجاسة العينية في أن الشيء النجس نجاسة عينية لا يحرم أن يقرب المسجد الحرام كما يحرم على المشركين أن يقربوه! ألا ترى أن لعاب الكلب نجس نجاسة عينية؟ فهل ورد نص بمنع الكلب من مقاربة البيت الحرام؟ أو هل جاء نص يفهم منه أن كل ما لحقت به صفة النجاسة العينية لا يقرب المسجد الحرام؟ فمن الواضح الجلي حتى في ظاهر الآية نفسها أن النجاسة هنا مفارقة في معناها للنجاسة العينية، والأحكام المبنية عليها تخالف ما يكون للأعيان النجسة من أحكام .. ونحن نقول لمن يرى أن نجاسة الكفار عينية، ((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين))
هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
¥