أحدهما: أنه لم يفعله إلا في الحج فقط. وسيأتي بيان ذلك.

ثانيهما: اجتهاد منه وفهم للأمر بالإعفاء للندب، ولكن ليس تقليلها إلى ما دون القبضة على الأقل.

على أن الوارد الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النهي عن إهجان اللحية وعدم تسريحها، وتركها مستهجنة منتشرة قد تؤدي إلى الاستهزاء بها، ومن ذلك:

ما روي عن أبي قحافة رضي الله عنه أنه أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ولحيته قد انتشرت فقال: "لو أخذتم" وأشار بيده إلى نواحي لحيته.

ورأى رجلا ثائر اللحية فقال: "لم يشوه أحدكم بنفسه".

وسأقوم ببيان بعض هذه الآثار على وجه العموم، ومن ثم سأبين آراء الفقهاء في ذلك رحمهم الله الجميع.

1) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يأخذ من لحيته.

2) وعنه رضي الله عنهما أنه كان يقبض على لحيته فيأخذ منها ما جاوز القبضة.

3) وعن إبراهيم أنه قال: لا بأس أن يأخذ الرجل من لحيته ما لم يتشبه بأهل الشرك.

4) وعن أبي زرعة قال: كان أبو هريرة يقبض على لحيته ثم يأخذ ما فضل عن القبضة.

5) عن الحسن قال: كان يرخصون فيما زاد على القبضة من اللحية أن يؤخذ منها.

6) وعن أفلح قال: كان القاسم إذا حلق رأسه أخذ من لحيته وشاربه. يعني في النسك.

7) وعن أبي هلال قال: سألت الحسن وابن سيرين فقالا: لا بأس به أن تأخذ من طول لحيتك.

8) وعن منصور قال: سمعت عطاء بن أبي رباح قال: كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة، وكان إبراهيم يأخذ من عارض لحيته.

9) وعن قتادة قال: قال جابر: لا نأخذ من طولها إلا في حج أو عمرة

لكن قال الزيلعي في (نصب الراية ج2/ص458):

ويشكل على هذه الآثار حديث: "واعفوا اللحى" وهو في الصحيحين عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي عليه السلام قال: "احفوا أي اقطعوا الشوارب واعفوا اللحى خالفوا المجوس". انتهى

الأحكام الفقهية في المسألة:

أولا: الفقهاء الأحناف:

• قال في (المبسوط للشيباني ج2/ص431):

وليس على الحاج إذا قصر أن يأخذ شيئا من لحيته أو أظفاره أو شاربه أو يتنور، وإن فعل لم يضره.

• وقال الكاساني في (بدائع الصنائع ج2/ص141):

وليس على الْحَاجِّ إذَا حَلَقَ أَنْ يَأْخُذَ من لِحْيَتِهِ شيئا. وقال الشَّافِعِيُّ: إذَا حَلَقَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ من لِحْيَتِهِ شيئا لِلَّهِ تَعَالَى.

وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ حَلْقُ الرَّأْسِ بِالنَّصِّ الذي تَلَوْنَا، وَلِأَنَّ حلق اللِّحْيَةِ من بَابِ الْمُثْلَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى وَالنِّسَاءَ بِالذَّوَائِبِ، على ما رُوِيَ في الحديث: أن لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً تَسْبِيحُهُمْ سُبْحَانَ من زَيَّنَ الرِّجَالَ بِاللِّحَى وَالنِّسَاءَ بِالذَّوَائِبِ. وَلِأَنَّ ذلك تَشَبُّهٌ بِالنَّصَارَى فَيُكْرَهُ.

• وقال في (شرح فتح القدير ج2/ص347):

قد صح عن ابن عمر راوي هذا الحديث أنه كان يأخذ الفاضل عن القبضة، قال محمد بن الحسن في كتاب الآثار: أخبرنا أبو حنيفة، عن الهيثم بن أبي الهيثم، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يقبض على لحيته ثم يقص ما تحت القبضة. ورواه أبو داود والنسائي في كتاب الصوم عن علي بن الحسن بن شقيق، عن الحسن بن واقد، عن مروان بن سالم المقنع قال: رأيت ابن عمر رضي الله يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف، وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى". وذكره البخاري تعليقا فقال: وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه.

وقد روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا، أسنده ابن أبي شيبة عنه: حدثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن عمر بن أيوب من ولد جرير، عن أبي زرعة قال: كان أبو هريرة رضي الله عنه يقبض على لحيته فيأخذ ما فضل عن القبضة.

فأقل ما في الباب إن لم يحمل على النسخ كما هو أصلنا في عمل الراوي على خلاف مرويه؛ مع أنه روى عن غير الراوي وعن النبي صلى الله عليه وسلم؛ يحمل الإعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها كما هو فعل مجوس الأعاجم من حلق لحاهم كما يشاهد في الهنود وبعض أجناس الفرنج، فيقع بذلك الجمع بين الروايات.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015