وأظن أنه ليس بمستبعد أن يكون لهذا العامل أثر في ظاهرة بارزة شهدها الفكر الكلامي عبر تاريخه الطويل، وهي ظاهرة التحول المذهبي الكلامي، حيث ينتقل المتكلم من مذهب نشأ عليه ونافح عنه فترة طويلة من الزمن إلى مذهب آخر مباين له تماما 0

ولعل أبا الحسن الأشعري نموذج بارز لهذه الظاهرة، وقد تعددت كتابات الباحثين في ذكر الأسباب التي دفعته أن يفارق مذهب المعتزلة الذي نشأ عليه منذ حداثة سنه وبقي يدرسه ويدرسه قرابة أربعين سنة 0

وفي ظني أنه ليس من السهل أن نرجع تحول الأشعري هذا إلى سبب واحد بل الأظهر أن هناك عددا من الأسباب التي اجتمعت لتحدث في النهاية هذا الانتقال الحاسم من مذهب المعتزلة 0

وقد ذكر الدارسون من بين هذه الأسباب رؤياه الشهيرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولسنا الآن في معرض تحقيق هذه المسألة، وهل كانت الرؤيا وحدها سببا للتحول، أم كانت عاملا مساعدا، أم أنها كانت من إرهاصات التحول ودليلا عليه (1) 0

والذي يعنينا هنا من بين هذه العوامل هو المذهب الفقهي الذي اعتنقه أبو الحسن، وهل كان له تأثير على تحوله؟

والمطالع للكتب التي ترجمت للأشعري يجدها تذكر أن والده إسماعيل ابن إسحاق كان من أهل السنة والجماعة، وكان من المحدثين، وقد أوصى بالأشعري عند وفاته إلى عالم مشهور وهو زكريا بن يحيى الساجي الذي كان إماما في الفقه والحديث، وأبو الحسن نفسه كان يتعبد في الفقه على المذهب الشافعي (1) ولا يخفى على أحد موقف الشافعي من علم الكلام ومن المتكلمين 0

وفي ظل نشأة كهذه ليس من المستغرب مطلقا أن يشعر الأشعري بشيء من التناقض بين المذهب الفقهي الذي يعتقد صحته، ويتعبد على أحكامه ويجل إمامه، وبين المذهب الكلامي الذي يجادل عنه، ويؤلف فيه، ويتبنى آراءه في أخطر أصول الدين وقضايا العقيدة (2) 0

ولعل هذا الإحساس بالتناقض، والسعي الحثيث لإزالته، وتحقيق الاتفاق بين المذهب الفقهي والكلامي، كان من جملة العوامل التي دفعت بالأشعري في نهاية الأمر أن يعلن انخلاعه عن مذهب المعتزلة، وأن يؤلف الكثير من الكتب في الرد عليه وكشف عواره 0

وثمة نموذج آخر مشابه لقصة الأشعري هذه، وهو ما حدث مع الحافظ المحدث أبي الفضل محمد بن ناصر السلامي المتوفى سنة (550 ه) وهو أحد مشايخ ابن عساكر وابن الجوزي، وكان شافعيا في الفقه، وأشعريا في الأصول، ثم تحول إلى مذهب الإمام أحمد في الأصول والفروع، نظرا لإحساسه بالتناقض بين مذهبه الفقهي وبين مذهبه الكلامي (3) 0

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[08 - Mar-2009, مساء 11:51]ـ

الأمر مرتبط بمقدار الإيجاد والفقد لنصوص السنة والأثر عند أئمة كل مذهب. وهو ما يتناسب - بطبيعة الحال - تناسبا عكسيا مع مساحة التنظير والتقعيد العقلي الحاصل عندهم. فكلما فقد القوم الأثر، أُلجئوا إلى إعمال القياس والنظر .. ولهذا كان اعتناق المذاهب الأقل حظا من التأسيس على النقل والأوفر حظا في المقابل من التقعيد بالعقل - غالبا - سمة مميزة للمتكلمة من الفقهاء، الذين غلبت عليهم - ولأسباب جغرافية كذلك وسياسية وتربوية ترتبط بالموروث العلمي - صبغة التمشعر والماتريدية والنزعة التأويلية الكلامية ..

وعلى أي الأحوال فالمذاهب كنوز مكنونة لمن يحسن النظر فيها وإخراج الزبدة منها، واتباع الدليل عند هؤلاء تارة وعند هؤلاء تارة، دونما تعصب لأي منها، والله الموفق لكل خير ..

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[09 - Mar-2009, صباحاً 12:01]ـ

بارك الله فيك أخي العدوي .. ما قرأت مشاكرتك إلا الآن. ولو رأيتها أولا، ما كتبت مشاركتي .. (ابتسامة)

ـ[أبو عبد البر رشيد]ــــــــ[09 - Mar-2009, صباحاً 12:51]ـ

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته أما بعد:

لم يختلف الأئمة الأربعة في باب الإعتقاد و الدين و الذين عرفوا من أصحاب المذاهب الأربعة بالتحقيق في مذهبهم هم الحنابلة لأن الإمام أحمد هو آخر أصحاب المذاب الأربعة المشهورة، فأهل السنة و الجماعة من الحنابلة هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، لأنهم وافقوا الأئمة مالك و أبى حنيفة و الشافعي في الأصول، أي العقيدة و هذا راجع لبدعة شريرة حدثت في عصر الإمام أحمد و هي التفريق بين الإصول و الفروع أو بعبارة أخرى العقيدة و المنهج، ويقصدون بالمنهج المذهب، فبنو على هذا التفريق أصولهم الفاسدة في باب العقيدة و أن التشدد في إثباتها هو المذهب الصحيح و رد الكتاب و السنة إلى ما ثبت بالدليل القاطع عندهم و هو العقل و لا أدري هل لهم عقل أم هل يعقلون و لو كانو يسمعون أو يعقلون لعلموا علم اليقين أن التشدد ليس مذهب الأئمة أبدا و لا التساهل و إنما الصحيح هو التوسط سواء في الصول أو الفروع.

ـ[القارئ المليجي]ــــــــ[18 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, مساء 01:28]ـ

سؤال للأخ العدوي، بارك الله فيه.

هل اسم فضيلتكم شريف، وهل تكتب في ملتقى أهل الحديث باسم العدوي أيضًا؟

طور بواسطة نورين ميديا © 2015