المسألة للأسف لا تنضبط عند تلك الأخوات الفضيلات بغاية سوى التقرب إلى الله بعبادة الطلب نفسه! مع أنه لا يجب تحصيل ذلك القدر وجوبا عينيا، بل وربما لا يستحب في حق هذه أو تلك منهن، بل وربما يكون مكروها في حقها إن كان معلوما عنها أنها ذات شخصية عنيدة ضيقة الأفق أو ذات عقل ضعيف لا تحسن تقدير الخلاف بقدره الصحيح، فتغلو فيما تعلمته من شيختها غلوا شديدا ولا تقبل خلافه - وأكثر طالبات العلم فيهن هذه الخصلة - أو عرف عنها أنها ذات طبع حاد لا يصبر على المفاصلة والمناقشة، فهذا ونحوه من شأنه أن يحولها إلى شخصية متشددة متنطعة تؤذي زوجها وتشق عليه، فتُكَرهه فيها، وهذا ضد ما يجب عليها نحوه ولا شك!! فقليل من النسوة - حقيقة - من تكون مؤهلة عقلا وطبعا للتوسع في تلك العلوم الدقيقة، وهي تأمن على نفسها من الوقوع في الغلو وعلى زوجها من إهدار حقه عليها ومن إيذائه والتضييق عليه في أمر دينه ودنياه!!
فأقول - والنصيحة لله - ينبغي أن تقف الأخوات مع أنفسهن وقفات فيما يتخيرن الخوض فيه من العلوم، وفيما يقضين فيه أوقاتهن في انتظار أن يمن الله عليهن بالزواج، ويحققن القصد من ذلك تحقيقا واضحا! وهذا أمر ينبغي أن يرشدهن إليه رجال بيوتهن أولا، أولو أمرهن .. فلا يرون الفتاة تتضخم مكتبتها في غرفتها - مثلا - باطراد وتقضي الساعات أمام الكمبيوتر أو بين دفتي كتاب علمي دقيق، فيشجعونها على ذلك تشجيعا مطلقا دون مناقشة معها فيما ترومه من ذلك، ودونما توجيه رشيد! هذا إن كانوا هم أنفسهم ملتزمين على علم ودين أصلا، ولكن قلما يكون الأمر كذلك في كثير من البلاد، وهذا في الحقيقة مما يزيد الضغط النفسي على الفتاة الملتزمة ويدفع بها دفعا إلى الانطلاق بقوة في تعلم تلك العلوم التي لا ترى - على قصر نظرها - مانعا من المضي قدما في الاستزادة منها جميعا، هكذا بلا حد ولا قيد ولا نهاية!
ثم تتساءل الفتيات الملتزمات طالبات العلم بعد ذلك، لماذا تتأخر سن زواجهن كثيرا على نحو ما نرى؟؟
إذا عُرف السبب بطل العجب!
ذلك أن الواحدة منهن - وقد تعلمت من العلوم ما تعلمت - تبحث عمن هو أعلم منها أو مثلها في العلم - على الأقل - وتضع في تصورها شروطا دقيقة ومواصفات علمية خاصة .. كأن يكون طالب علم عالي الهمة من تلامذة الشيخ فلان وفلان وفلان، وحبذا أن يكون مذهبه في المسألة الفرعية الفلانية كذا، وفي تلك النازلة يرى هذا الرأي ولا يرى غيره، وينبغي أن يكون حافظا للكتب الستة أو على الأقل للبخاري ومسلم، وينبغي أن يكون مشتهرا بممارسة الدعوة إلى الله وحبذا لو تأتي بثناء وتزكية له من الشيخ فلان أو بعض تلامذته حتى يطمئن له قلبها، وحبذا لو تعرف كذلك موقفه من الشيخ فلان والشيخ فلان، و ... !!
لا يكفي الخلق الطيب والورع والتدين وحب أهل العلم في الرجل عندها إن تجرد من سعة الأفق - على تصورها هي، وربما كانت هي أبعد شيء عنه أصلا!! - والاطلاع العلمي وحب القراءة، أو إن تخلف عن قدر هي تراه من الثقافة العامة التي يحتاج إليها الداعية إلى الله في رأيها أو عن قدر من الاطلاع على قضايا الأمة في مختلف بلاد المسلمين ومن الإلمام بها، أو نحو ذلك!!
فأي طالب علم مسكين هذا - أصلا - الذي يحب أن يقضي حياته مع من هكذا تفكيرها وتقديرها لما تريده في شريك حياتها؟؟؟
من منا يريد أن يقضي الوقت في بيته مع امرأته في مدارسة مسائل العلم والمناقشة في قضايا الأمة ليل نهار؟؟؟؟ من منا الذي يحتمل كلما طرأت مسألة تمس بيته وتعنيه هو وامرأته أن يجادلها فيها وتجادله لمجرد أن يثبت لها - مثلا - أن في هذه المسألة خلافا سائغا يضرب أصله إلى القرون الفاضلة قدما، بخلاف ما تعتقده هي؟ من منا الذي يحتمل نظر امرأته له على أنه مخالف أو مفرط زائغ بسبب مذهب اختاره في مسألة قد ضاق عطنها هي عن إدراك سعة الأمر فيها؟؟
فالحاصل أن قليلا والله من النسوة من يندب لهن ويحسن بهن التوسع في طلب العلوم الشرعية فوق الحد الواجب على الأعيان تحصيله .. وأقل منه من يقبل - سيما في زماننا هذا، زمن غلبة رواسب الجاهلية على قلوب الرجال فضلا عن النساء - أن تكون امرأته شيخة معلمة مفوهة صاحبة تصنيف وتدريس!
فالله أسأل أن يهدي نساء المسلمين إلى الرشاد وأن يعيذنا وإياهن من الغلو والإفراط، ومن التضييق فيما حقه السعة،
¥