فبينما يسوق في البداية كلاما يدخل في أصول التلقي والقبول للرواية، تجده لا يلبث قليلا حتى يدخل في خلال ذلك كلاما لا دخل له بقبول الخبر واحتماله عند الصحابة، وإنما يتعلق بفقه الدراية والاستدلال بالنصوص عند التعارض ونحو ذلك! فيجنح بك من حيث لا تشعر إلى باب في أصول الفقه والنظر له ضوابطه، وثمرته التي لا تعلق لها بعنوان المقال أصلا، ولا بما قدم به الكلام!

فيكون حاصل ذلك العجين ("الطحين" على حد تعبيره هو الذي سخر به من الشيخ الألباني رحمه الله ومنهجه في نقد الحديث) - من أول وهلة - إلتباس الأمر على القارئ اذ يتصور أن التعارض - هكذا باطلاق - قد ترد من أجله نصوص وروايات، وأن الصحابة هكذا كانوا يفعلون!! فلا ترى تمييزا بين ضوابط قبول الروايات - والتي هي أصل الموضوع - وبين ضوابط فقهها والاستنباط منها!!

فقوله مثلا (عرض السنة على السنة) ثم استدلاله لذلك بما استدل به، هذا تلبيس واضح، لأن أهل السنة لا يردون رواية لمجرد تعارضها مع رواية أخرى!!!! فهل يفهم الدكتور الفرق بين قبول الرواية وإثباتها، وبين مرجوحيتها عند الاستنباط والعمل (أو القول بنسخها أو نحو ذلك عند العجز عن الجمع بين الروايتين)؟؟؟ ما دخل الترجيح في الفتيا والعمل بين الروايات "بنقل الحديث" وضوابطه؟؟

كفى والله بهذه العبارة فسادا في التصور والتقعيد: "ومن الضوابط التي اعتنى بها الصحابة في نقل السنة النبوية، عرض السنة على السنة، وذلك فيما ظاهره التعارض بين الأحاديث!! " فلو صح ما يقول، لما نقلوا إلينا أصلا الحديث المتروك بسبب التعارض ولما حدثوا به الناس، وهذا لم يقل به أحد قط!!

/// تأمل إذ يقول أن عمرا رضي الله عنه كان يثبت خبر الواحد ويبحث عمن يعضده، وأقول هذا تلبيس لأنه يوهم بأن هذا كان منهجا مطردا لعمر رضي الله عنه أيا كان حال ذلك الواحد الذي يأتيه بالخبر وأيا كان متن الخبر!

/// وتأمل في النقطة الثانية اذ يدعي أن من ضوابط "نقل الأخبار" عرضها على القرءان! فبأي شيء يُفهم ذلك؟؟ يفهم أنهم من منهجهم أن إذا عرضوا الخبر على القرءان فرأوا فيه تعارضا ظاهرا، تركوه ولم يحدثوا الناس به ولم يعملوا به!! ومن عجب استدلاله بحديث عمر رضي الله عنه في تعذيب الميت ببكاء من يبكي عليه، اذ يقول (وفهم عمر أنه عام) ثم يبين أنه عورض في (ذلك الفهم) بكلام عائشة رضي الله عنها وذكرها لآية الأنعام!! فبالله ما الدليل في ذلك – والكلام كله كما هو واضح في لفظه هو نفسه عن الفهم – على أن الصحابة – هكذا - كانوا يردون الحديث اذا ما خالف في ظاهره القرءان!! والحديث مروي عن عدد من الصحابة ولم ينفرد به عمر، بل عده بعض أهل العلم من المتواتر!! فلو كان منهجهم رده كما ردته عائشة رضي الله عنها (على تضارب الروايات في علة ردها له)، لما تواتر، بل لورد عنهم مثل ما ورد عن عائشة رضي الله عنها في تكذيبه لنفس العلة التي توهمتها!! هذا وقد قاله عمر رضي الله عنه في جمع من الصحابة ولم ينكر عليه أحد!! ومن علم حجة على من لم يعلم، والأمر في موقفها رضي الله عنها من الحديث (ما بين تأول ورد) فيه خلاف مشهور! فلا يمكن الجزم أصلا بأنها قد آل الأمر عندها إلى رده وعدم الأخذ به بأي حال!! وخلاصة الأمر أنه لا يؤخذ منه هذه القاعدة بحال من الأحوال!!!

وأما حديث فاطمة بنت قيس فلا دخل له بعرض السنة على القرءان، بل هو تعليق لرواية امرأة صرح بأنها (لا يدري لعلها حفظت أو نسيت)!! وفي ذلك حجة عليه لأنه بمفهوم المخالفة يقال أنه لو علم رضي الله عنه أنها محل ثقة في الحفظ والضبط، لقبل منها ولما توقف في قبول خبرها!! فالرواية في واد، وما يستدل بها عليه في واد آخر!!

/// أما النقطة الثالثة فأعجب وأعجب – والله كأن التدرج مقصود!! – فيتكلم في (عرض السنة على السنة)! يعني عرض صحابي لروايتين متبايتين من صحاببين على بعضهما البعض! فوالله لو مضوا على الروايات ظاهرة التعارض بمثل هذا واتخذوه منهجا، لما وصل الينا روايتان يظهر بينهما تعارض قط!! بل ولمضى التابعون على كل ما يتعارض يردون ويكذبون بعضه ويثبتون البعض بالرأي، لمجرد ظهور التعارض!!! وذكر احتجاج بعضهم بحديث عائشة في شرط الغسل، واحتجاج غيرهم بحديث أبي سعيد في صحيح مسلم! فهل هذا دليل – يا عقلاء – على أن أحد الفريقين رد أيا من الحديثين وكذب ناقله أو وهمه لهذا التعارض، وهل نقل عنهم مثل ذلك؟؟؟ لا يزال الناس يحتج أحدهم على مخالفه بما معه من الحديث وتأويله، بالترجيح ان لم يفلح في الجمع، دون أن يكذب أحدهم الآخر لمجرد ظهور تعارض الرواية!! وهذا لا يشك في أنه كان منهج الصحابة رضي الله عنهم!!

/// أما الرابعة، فكلامه عن رد الصحابة للحديث بالقياس!!

فيسوق برواية أبي سلمة عن أبي هريرة، والتي يرد فيها أبو سلمة قائلا: "يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ " فليته أكمل متن الحديث وجاء برد أبي هريرة عليه اذ قال: "يا ابن أخي! إذا سمعت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلا " وإحسانا للظن بأبي سلمة نقول أنه لم يكن معترضا وانما كان مستفصلا مستشكلا! وأنا لا أدري هل تعمد الدكتور علي إسقاط رد أبي هريرة ليوصل المعنى الذي يهواه دون أن يكون هناك ما يشوش عليه؟؟؟

خلاصة القول، أن المقال فيه من التلبيس والخلط الشيء الكثير!!

فالله نسأل أن يرفع عن المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن!

أقول ما قلت، وأستغفر الله عما فيه من الزلل،

والحمد لله رب العالمين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015