1 – أن ذلك كان لأجل النسك وهو لبعض أصحاب أحمد والمالكية 0
قال بعض المالكية: " لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبي ? أتموا، وليس بين مكة ومنى مسافة القصر فدل على أنهم قصروا للنسك " (5) 0
وأجيب: بأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناء بما تقدم بمكة 0
وردّ: بأن الحديث ضعيف من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولو صح فالقصة كانت في الفتح، ومنى في حجة الوداع، وكان لابد من بيان ذلك لبعد العهد 0 (6)
- وإن كان القصر لأجل النسك فيجب معرفته للجميع إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز 0
2 – كان لأجل السفر، وهو قول لبعض أصحاب الإمام أحمد 0
قال شيخ الإسلام: " وهو الصواب، وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم، ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة، وكانوا محرمين، والقصر معلق بالسفر وجوداً وعدماً، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة إلا إنهم بسفر " (7)
ووافقه ابن القيم فقال: " ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة، وإنما التأثير لما جعله الله سبباً وهو السفر هذا مقتضى السنة، ولا وجه لما ذهب إليه المحددون " (8)
واختاره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فقال:
" الصحيح أن القصر في منى وعرفة ومزدلفة، ليس سببه النسك بل سببه السفر، والسفر لا يتقيد بالمسافة بل يتقيد بالحال وهو أن الإنسان إذا خرج تأهب واستعد لهذا الخروج وحمل معه الزاد والشراب فهو مسافر " (9)
-------------------
(1) انظر مجموع الفتاوى 26/ 169
(2) حجة الوداع ص 327
(3) انظر فتح الباري 2/ 563
(4) انظر مجموع الفتاوى 24/ 12
(5) انظر فتح الباري 2/ 563
(6) المرجع السابق 0
(7) مجموع الفتاوى 24/ 12
(8) زاد المعاد 2/ 235
(9) لقاء الباب المفتوح 51/ 21
- ومما يدل على أن صلاة النبي ? بالمشاعر قصراً لأجل السفر: أنه صلّى بعرفة الظهر والعصر قصراً لأنه أسرّ بالقراءة فيها، وقد كان ذلك يوم جمعة، وصلّى أهل مكة معه، ولو كانوا متمين للصلاة للزمتهم الجمعة، ولا قائل به.
ولو كان القصر لأجل النسك لصلّى الجمعة جهراً بدل الظهر سرّاً مقصورة، وليس على المسافر جمعة فدل على أنه قصرها لأجل السفر والله أعلم.
و لا يصح أن يقال: هو قصر الصلاة لأجل السفر، وهم قصروا لأجل النسك. لما فيه من التناقض الظاهر.
----------------------------
• تحقيق مذهب الإمام مالك في علة القصر والرد على علة النسك.من أين جاءت علة النسك؟
اشتهر على الألسن وفي أكثر كتب الشروح أن القصر في الحج عند الإمام مالك رحمه الله للنسك لا للسفر كما سبق في المسألة.
قال الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي: " وهو غير صحيح كما بسط في الأوجز (1)، عن كتب فروع المالكية 0 وفي هامش اللامع: والأوجه عندي أن القصر عند الإمام مالك أيضاً للسفر كما صرح في الموطأ إذ قال: الصلاة يوم عرفة إنما هي ظهر، ولكنها قصرت لأجل السفر 0 إ-هـ فهذا نص عنه رضي الله إلا أنه عد الذهاب من مكة إلى منى، ومنها إلى عرفة، ومنها إلى راجعاً إلى المزدلفة ثم إلى منى ثم إلى مكة سفراً واحداً للزومه بالإحرام، ولذلك لا يقصر أهل مكة بمكة، وأهل منى بمنى عنده لأنهم مقيمون في أوطانهم، ولو كان القصر للنسك ليقصرون حجاج مكة ومن في أوطانهم.إهـ"
(1) حجة الوداع للكاندهلوي ص 101
والمقصود بالأوجز كتاب (أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك) مطبوع.
---------------------
وهذه العلة – علة النسك - ضعيفة ولا تصح لأسباب كثيرة منها:
- أنها مستنبطة، وعلة السفر منصوصة بالكتاب والسنة، ومن طرق الترجيح عند الأصوليين تقديم العلة المنصوصة على العلة المستنبطة.
- أنها (علة النسك) غير مطردة بخلاف علة السفر فهي في مكة ومنى وعرفة ... الخ
ولذالك حصل تناقض عند بعض المفتين من المعاصرين فقال يقصرون (أهل مكة) في منى ويتمّون في مكة، وكأن منى في محافظة ثانية غير مكة.
- أنّ عمر رضي الله عنه كان يصلّي الظهر بأهل مكة فسلّم من ركعتين ثم قال:
" يا أهل مكة أتمّوا صلاتكم فإنا قوم سفر " (1).
(1) أخرجه مالك في الموطأ 1/ 402 كتاب الحج، باب صلاة منى وإسناده صحيح كما في المجموع للنووي 8/ 92، والدراية 1/ 231 والمصنف لعبد الرزاق 2/ 540 رقم 4371، 2/ 540 رقم 4369.
¥