فلا يمكن أن يقال: أن العصاة لا يمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية، بل قد يقال: إن من الشيوخ من يكون جاهلًا بالطرق الشرعية، عاجزًا عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنة وما يخاطب به الناس ويسمعهم إياه مما يتوب الله عليهم فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية، وأما مع حسن القصد إن كان له دين، وإما أن يكون غرضه الترؤس عليهم وأخذ أموالهم بالباطل: كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا أن كثيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}.
فلا يعدل عن الطرق الشرعية إلى البدعة؛ إلا لجهل أو عجز أو غرض فاسد، وإلا فمن المعلوم أن سماع القرآن هو سماع النبيين والعارفين والمؤمنين.
قال تعالى في النبيين: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدم وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إبراهيم وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}.
وقال تعالى في أهل المعرفة: {وإذا سَمِعُواْ مَا أنزل إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ}
وقال تعالى في حق أهل العلم: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}.
وقال في المؤمنين:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}. . . ".
إلى أن قال رحمه الله: " إذا عرف هذا؛ فحقيقة السؤال: هل للشيخ أن يجعل هذه الأمور التي هي إما محرمة أو مكروهة أو مباحة قربة وعبادة وطاعة وطريقة إلى الله، يدعو بها إلى الله ويتوب العاصين، ويرشد به الغاوين، ويهدي به الضالين؟
ومن المعلوم أن الدين له أصلان، فلا دين إلا ما شرعه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرم الله، وشرعوا دينًا لم يأذن به الله.
ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين هل يباح له ذلك؟ قال نعم؟ فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة؛ قال: أن فعله على هذا الوجه حرام منكر؛ يستتاب فاعله؛ فإن تاب، وإلا قتل "؟
وذكر رحمه الله أمثله من هذا النوع. . . ثم قال:
" والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب، ولهذا من حضر السماع للهو واللعب لا يعده من صالح عمله فلا يرجوا به الثواب، وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى؛ فإنه يتخذه دينًا، وإذا نهي عنه كان كمن نهي عن دينه ورأى أنه قد انقطع عن الله، وحرم نصيبه من الله إذا تركه، فهؤلاء ضلال باتفاق علماء المسلمين، ولا يقول أحد من أئمة المسلمين أن اتخاذها دينًا وطريقًا إلى الله تعالى أمر مباح، بل من جعل هذا دينًا وطريقًا إلى الله تعالى؛ فهو ضال مفتر مخالف لإجماع المسلمين " انتهى المقصود من كلام الشيخ رحمه الله.
وقال الشاطبي رحمه الله في كتاب (الاعتصام) (1/ 270 – 273) في رده على بعض المبتدعة ما ملخصه:
" وأما ما ذكره من الإنشادات الشعرية؛ فجائز للإنسان أن ينشد الشعر الذي لا رفث فيه، ولا يذكر بمعصية، وأن يسمعه من غيره إذا أنشد على الحدّ الذي كان ينشد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم أو عمل به الصحابة والتابعون ومن يقتدى به من العلماء، وذلك أنه كان ينشد ويسمع لفوائد؛ منها: المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام وأهله، ولذلك كان حسان بن ثابت رضي الله عنه قد نصب له منبر في المسجد ينشد عليه إذا وفدت الوفود، حتى يقولوا: خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، ويقول صلى الله عليه وسلم: (اهجهم، وجبريل
¥