- أقول: هذه هو بيت القصيد لديكم. ولكن؛ ما وجه الدلالة من النصوص السابقة على جوازه في هذه الأمكنة؟ هل كان السلف يعلمونه أولادهم في المدارس والكتاتيب والحلقات العلمية والربط المدرسية التي هي بمثابة الجامعات الحالية؟

هل كانوا يجعلون الأناشيد الجماعية من ضمن دروسهم وأعمالهم العلمية التي يتلقونها في هذه الدور العلمية؟

عليك أن تثبت لنا ذلك، وأين؟ ومتى؟

4 - قول فضيلتكم: إنك لم تقف على ما يدل على منع سماع الأصوات الفاتنة من المردان ونحوهم.

- أقول لفضيلتكم: نحن وجدنا هذا في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}

قال ابن كثير رحمه الله في (تفسيره) (5/ 415 – طبعة دار الاندلس) ما نصه:

" قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال. . . " إلى أن قال:

" ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم. . . " انتهى.

فدل هذا على أن الصوت قد يكون فيه فتنة أشد من فتنة النظر إذا كان من امرأة ومثل ذلك صوت الشاب الأمرد.

قال الشاعر:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ** والأذن تعشق قبل العين أحيانًا

وقال العلامة ابن القيم في (إغاثة اللهفان) (1/ 248):

" وأما سماعه (يعني: الغناء) من المرأة الأجنبية أوالأمرد؛ فمن أعظم المحرمات وأشدها فسادًا للدين. . . " انتهى.

فهذا ابن القيم يعد صوت الأمرد مثل صوت المرأة في الفتنة به.

5 – قول فضيلتكم: " إن القاعدة الأصولية أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم ".

- وتريدون بهذا القول أن الأصل في الغناء الاباحة، إلا ما حرمه الدليل.

ونقول لفضيلتكم:

أولًا: هذه القاعدة مختلف فيها، فهناك من يرى العكس، وهو الأصل في الأشياء التحريم إلا ما دل الدليل على إباحته، فهي ليست قاعدة مسلمة.

ثانيًا: وعلى القول بأن الأصل في الأشياء الإباحة، فالغناء دل الدليل على تحريمه، فالأصل فيه التحريم إلا ما دل دليل على إباحته منه.

والدليل على أن الأصل في الغناء التحريم قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

ولهو الحديث المذكور في الآية هو الغناء بجميع أنواعه، فيحرم كله، إلا ما دل الدليل على إباحته منه.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله في (إغاثة اللهفان) (1/ 257):

" قال الواحدي وغيره: المراد به {لَهْوَ الْحَدِيثِ}: الغناء. قاله ابن عباس وقاله ابن مسعود. . . ".

إلى أن قال: " أكثر ما جاء في التفسير أن {لَهْوَ الْحَدِيثِ} ها هنا هو الغناء؛ لأنه يلهي عن ذكر الله تعالى. . . ". إلى أن قال:

" وقد جاء في تفسير لهو الحديث الغناء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم

وذكر الأحاديث الواردة في ذلك ثم قال: " إذا عرف هذا، فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه. . . " انتهى.

وإذا كان الأصل في الغناء التحريم؛ فإنه لا يحل منه إلا ما دل الدليل على جوازه، من حداء الإبل، والارتجاز عند مزاولة العمل المتعب، وما شابه ذلك مما وردت به الأدلة الصحيحة فيقتصر فيه على ما ورد قدرًا وكيفية؛ كما مر بيانه، لأن الرخصة تقتصر على ما رخص فيه، ولا يسمى ما رخص به نشيدًا إسلاميًا وإنما يسمى نشيدًا عربيًا، ولاينشر في المدارس والبيوت ويباع في محلات التسجيل، لأن هذا تجاوز للرخصة.

6 - ثم إننا نسألكم يا فضيلة الشيخ أحمد: ما هدفكم من هذه الأناشيد؟

هل هو لأجل ترويح النفوس بها والتلذذ بإنشادها؟ فيكون الهدف منها غير ديني، ولا يقتصد بها التقرب إلى الله، وإنما هو هدف ترويحي فقط، فهذا إنما يباح منه ما رخص به، وفي مثل الأحوال التي وردت فيه الرخصة، لا على الشكل الذي عليه الأناشيد لديكم، فقد أخذت أناشيدكم طابعًا غير الطابع المرخص فيه كما بيناه.

وإن كان هدفكم منها هدفًا دينيًا – كما توحي به تسميتكم لها بالإسلامية -؛ فهذا لا يخلو من أحد أمرين:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015