وقد أذن لعامر بن الأكوع أن ينشد بين يديه في غزوة خيبر ودعا له بالمغفرة، وأذن لأنجشة أن ينشد بين يديه حتى حرك الإبل فقال: رفقا بالقوارير يا أنجشة، والقوارير قلوب النساء فهذا كله تشريع للنشيد وبيان لسنيته وتأثيره وتحفيزه للهمم فهو عون للإنسان على الطاعة وعلى الحماس، ولكن إنما ذلك بهذه المضامين الطيبة، وبالأخص إذا كان ذلك ثناء على الله وعلى رسوله r من غير غلو، أما إذا دخله غلو في الثناء على النبي r فإنه نهى عنه كما في صحيح البخاري أن الجويريات أنشدن بين يديه أثنين على الله ثم أنشدن بين يديه: \"وفينا نبي يعلم ما في غد\" فقال: دعي هذه، دعي هذه لأنها أثنت عليه بعلم الغيب وعلم الغيب عند الله سبحانه وتعالى وحده، فلذلك لا بد أن يكون الثناء على النبي r أيضا بالثناء الذي يثنى به عليه r، وكذلك لا بد أن يكون ذلك أي النشيد لهذه النية أي لقصد تحفيز الهمم وتهيئتها والثناء على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين حتى ما كان من ذلك ثناء على المجاهدين في سبيل الله ورثاء لموتاهم وثناء عليهم فهو جائز، ومثل ذلك أيضا من نصر النبي r حتى لو كان مشركا إذا كان الثناء عليه فقط بنصرته، كالثناء على المطعم بن عدي بما أثنى عليه به حسان بن ثابت فإنه قال في نشيده في رثاء المطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف وهو ابن عم النبي r وقد أجاره من قريش بعد موت أبي طالب، فأثنى عليه حسان عند موته بقوله:

*ولو أن مجدا خلد الدهر واحدا** من الناس أبقى مجده الدهر مطعما*

وأنشد ذلك بين يدي النبي r، وكذلك ما كان من الإنشاد لا يتضمن هذه المعاني ولكنه يتضمن ذكر البقاع والأماكن مما لا حرج فيه شرعا كذكر المناطق والأماكن فهذا ليس محرما شرعا فيجوز النشيد به، ومثل ذلك المواعظ والعبر فإنشادها لا حرج فيه وقد أنشد النبي r واستنشد شعر أمية بن أبي الصلت، وكان شعره حكما ومواعظ، فمن شعره مثلا:

قد يموت الجبان في آخر الصـ ** ـف وينجو مقارع الأبطال*

*ربما تكره النفوس من الأمـ** ـر له فرجة كحل العقال*

فهذا النوع هو مما يجوز إنشاده والتغني به ولا حرج فيه، أما ما كان هجاء لمعين أو تغزلا على معين، أو كان فيه ممنوع شرعا فهذا لا يجوز النشيد به، ولا يجوز إنشاده أصلا إلا في حالات محصورة، وهي ما كان من الغزل لغير معين، أو كان في أمر قد مضى وانتهى أهله فيذكر للاستشهاد مثلا، كإنشادنا نحن الآن للشعر الجاهلي استشهادا في تفسير القرآن أو الحديث فمثل هذا لا حرج فيه، وقد أنشد عمر بن أبي ربيعة عبد الله بن العباس رضي الله عنهما قصيدته بالحرم المكي وهي:

*أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ** غداة غد أم رائح فمهجر*

وفيها الغزل لكنه قد مضى ولا يتوقف عليه شيء بذاته ويريدها ابن عباس للاستشهاد على كلمات القرآن والسنة. وقد مر النبي r وأبو بكر بمنشد ينشد شعرا قديما يمدح به بنو عبد مناف وقد غيره المنشد فقال: \"والمجد خالصه لعبد الدار\" وأصل الأبيات: \"والمجد خالصه لعبد مناف\" فقال رسول الله r لأبي بكر: أهكذا قال الشاعر؟ قال لا، وأنشده أبو بكر أبيات الشاعر.

-الشيخ خالد عبد الله المصلح

السؤال:

أرجو من فضيلتكم إفتائي في هذه المسألة التي اختلف العلماء فيها وهي سماع الأناشيد علما بأن هذه الأناشيد لا تحتوي على الآلات موسيقية بل تحتوي على مؤثرات صوتيه بالصوت البشري الخالص دون الآلات محرمة وجزيتم خيرا؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الأصل في الأناشيد الحل لكن لابد من ملاحظة الأمور التالية:

1. ألا تشغل عن الواجبات وما ينبغي الاهتمام به من الأعمال الدينية والدنيوية.

2. ألا يكون فيها من الكلام الذي يرمي بالفساد أو الشر.

3. ألا تحتوي ما ينافي ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الصبر لأقضية الله تعالى من الآهات وشبهها.

4. أن لا تشبه أداء المغنين أو المبتدعين.

والذي أحث نفسي وإخواني عليه أن يحفظوا أعمارهم وأيامهم من اللهو إلا ما دعت إليه الحاجة أو اقتضته المصلحة وأعمارنا قصيرة نسأل الله أن يستعملنا في البر والتقوى.

أخوك

خالد بن عبدالله المصلح

17/ 9/1424هـ

-الشيخ سعيد بن مسفر

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015