ـ[ربيع أحمد السلفي]ــــــــ[01 - Nov-2008, صباحاً 10:47]ـ
الفصل الثانى
أدلة تحريم سماع آلات الطرب
جاءت أدلة كثيرة من السنة تنضح بتحريم المعازف باستثناء الدف في حالات معينة كالعرس والعيد والجهاد، وبدلالة اللزوم مادامت المعازف حرمت فقد حرم ما يصدر منها من موسيقى فمن المعلوم أصولياً أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عنه من باب أولى، ومادامت هناك أحاديث واضحة جلية فى تحريم المعازف والموسيقى، وهناك علماء قالوا بالجواز فإذن مسألة حكم المعازف والموسيقى من مسائل الخلاف لا من مسائل الاجتهاد، ومسائل الخلاف هى المسائل التى فيها أدلة لا يمكن فهمها على أكثر من وجه فالفقيه الذى يستدل بها له لا يمكن أن يُستدل بها عليه أو هى مسائل يجتهد فيها الفقيه اجتهاداً فى مقابلة الدليل أى اجتهاد مع النص أما مسائل الاجتهاد فالأدلة ليست واضحة جلية، والأدلة تحتمل أكثر من وجه فالفقيه الذى يستدل بها له يمكن أن يستدل بها عليه ففقيه يفهم من الدليل كذا وفقيه آخر يفهم شيئاً آخر فيكون هذا من باب الاجتهاد فى النص فمسائل الاجتهاد هى الاجتهاد فى المسائل التى لم يرد فيها نص أو ورد فيها نص غير واضح الدلالة،ومسائل الاجتهاد لا ينكر فيها عالم على آخر فهذه المسائل الخلاف فيها معتبر, أما مسائل الخلاف فالخلاف فيها غير معتبر؛ فلا يحتج بأن فى المسألة خلاف إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف؛ فينكر فى مسائل الخلاف على المخالف؛ لأن الله تعبدنا باتباع رسوله لا باتباع كل عالم فقد قال تعالى:? َفآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ? [1]،و إنما يُعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة سواء أكانتمما يقوى أو يضعف، و أما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته الدليل فلا، فلذلكلا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة رباالفضل و المتعة و أشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على منخالف فيها، وقد قال القرطبى رحمه الله: لا حجة في قول أحد مع السنة [2]، وإليكم بعض النصوص المحرمة للمعازف والموسيقى:
[1]- الأعراف من الآية 158
[2]- تفسير القرطبى 10/ 131
ـ[ربيع أحمد السلفي]ــــــــ[01 - Nov-2008, صباحاً 10:49]ـ
الدليل الأول:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف…» [1] الحديث رواه البخاري وأبوداود وغيرهما،ويكفى أن هذا الحديث في صحيح البخارى الذي هو أصح كتب أهل السنة في الحديث حتى يعلم أنه صحيح، وذهب ابن حزم رحمه الله إلى تضعيف الحديث، وقد رد العلماء المتخصصون في علم الحديث من المتقدمين والمتأخرين عليه، وبينوا أنه غير مصيب في رأيه هذا بأدلة علمية قوية [2]، ومن العلماء من ضعف هذا الحديث محتجاً بأن فى متنه اضطراب لكن مثل هذا لا يضعف الحديث فالراوى قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة، ويذكرها تارة أخرى.
وجه دلالة الحديث على تحريم المعازف والموسيقى:
أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناساً يأتون ويستحلون الحر وهو الزنا والخمر والمعازف أى يجعلونها حلالاً فدل ذلك على أنها محرمة في الأصل، و قيل كلمة يستحلون يعتقدون حلها، ومادام النص فيه وعيدا بمن يعتقد ذلك فهذه المذكورات محرمة، ومن العلماء من صرف معنى الحديث من المعنى المتبادر للذهن (الظاهر) إلى معنى آخر فقال التحريم منصب على الجمع بين هذه الأشياء، وهذا باطل؛ لأنه قول بخلاف الظاهر بلا دليل، فالواو تدل على التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي أسند إليهما من غير أن يدل على أنهما معا بالزمان أو أن أحدهما قبل الآخر، فأين الدليل على أن عدم الجمع بين هذه المذكورات ليس حراماً؟ أو أين الدليل على أن فعل كل واحدة من المذكورات دون الجمع بينها ليس حراماً؟ والأصل فى الكلام عدم الحذف إلا إذا دل الدليل على الحذف، وقولهم يستحلون الجمع بين المذكورات كلمة الجمع ليست مذكورة فى الحديث فما الدليل على أن كلمة الجمع محذوفة؟ فالزنا فقط لم يأت دليل بحله، وشرب الخمر فقط لم يأت دليل بحله، وسماع المعازف فقط لم يأت دليل بحله بل قد استفاضت الأدلة على حرمة كل واحدة من المذكورات، و قول بعض هؤلاء رحمهم الله:بأن النهى عن الأمور المتعددة أو الوعيد على مجموعها لا يدل على تحريم كل فرد منها فيه إهدار لكثير من النصوص كقوله تعالى: ? الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ? [4] فهل يمكن لأحد أن يقول من فعل واحدة من المذكورات ليس بمتوعد؟! فعلم من هذا بطلان قول من قال أن التحريم منصب على الجمع بين الزنا والخمر وسماع الموسيقى، وزبدة ماذكرنا: الفعل يستحلون دل على أن كل من الزنا والخمروالمعازف محرم، وقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم المعازف مع المقطوع حرمته: الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معهما.
[1]- صحيح البخارى رقم5590، وسنن أبى داود رقم 4039
[2]- انظر الاستقامة لابن تيمية 1/ 294، وإغاثة اللهفان لابن القيم ص 228،والسلسة الصحيحة للألباني تعليق على الحديث رقم 91، وتحريم آلات الطرب للألباني ص 39
[3]- نيل الأوطار للشوكانى 4/ 423
[4]- البقرة: 27
¥