لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ في صحيح مسلم قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ))، قال النووي: ((وَحَاصِله أَنَّ الْيَمِين عَلَى نِيَّة الْحَالِف فِي كُلّ الْأَحْوَال إِلَّا إِذَا اِسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبه فِي دَعْوَى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ، فَتَكُون عَلَى نِيَّة الْمُسْتَحْلِف، وَهُوَ مُرَاد الْحَدِيث. أَمَّا إِذَا حَلَفَ عِنْد الْقَاضِي مِنْ غَيْر اِسْتِحْلَاف الْقَاضِي فِي دَعْوَى، فَالِاعْتِبَار بِنِيَّةِ الْحَالِف.)) ([5]).

القاعدة الخامسة عشرة: صلاح العمل بصلاح النية وفساده بفسادها

لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ([6])، وقوله سبحانه: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) ([7])، ولحديث أَبِي هُرَيْرَةَ في صحيح مسلم قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)).

القاعدة السادسة عشرة: النية داخلة تحت الاختيار

لأن النية عمل القلب، وعمل القلب مطاق للمكلف مقدور له داخل تحت اختياره، قال الله جل وعلا: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ([8]).

القاعدة السابعة عشرة: ما لا تدخله النية من الأعمال

اختلف الأصوليون في الترك (ما نُهِيَ عنه) فقال جمهورهم إنه فعل، وخالفهم في ذلك أبوهاشم الجبائي، والراجح ما عليه الجمهور؛ لأن المرء لا يمدح على ترك منهي عنه؛ إلا إذا كان في وسعه فعله وتركه مخافة الله جل وعلا، ثم اختلف العلماء هل يحتاج الترك إلى نية أم لا، فالجمهور على أنها لا تفتقر إلى نية كطهارة الخبث خلافا لبعض أصحاب أحمد والشافعي، قال ابن تيمية: ((وَاعْتِبَارُ طَهَارَةِ الْخَبَثِ بِطَهَارَةِ الْحَدَثِ ضَعِيفٌ؛ فَإِنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا؛ وَلِهَذَا لَمْ تَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ وَاشْتُرِطَ فِيهَا النِّيَّةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا طَهَارَةُ الْخَبَثِ فَإِنَّهَا مِنْ بَابِ التروك فَمَقْصُودُهَا اجْتِنَابُ الْخَبَثِ؛ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا فِعْلُ الْعَبْدِ وَلَا قَصْدُهُ بَلْ لَوْ زَالَتْ بِالْمَطَرِ النَّازِلِ مِنْ السَّمَاءِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ. وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: إنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا النِّيَّةُ فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ.)) ([9])، ومع ذلك فالمنهيات إذا قصد المرء تركها رغبة في ثواب الله فإنها تصير عبادة لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث المتفق عليه: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)).

القاعدة الثامنة عشرة: المتعين من العبادات والحقوق لا يحتاج إلى نية التعيين وأداء الحقوق لا يحتاج إلى نية

مراد ذلك أن الحقوق الواجبة على المكلف تبرأ الذمة بأدائها إلى مستحقها ولو لم تكن له نية ولا فعل، ومن ذلك أداء الدين، ورد المغصوب، ونفقة الزوجة.

ضابط ما تشترط فيه النية مما لا تشترط فيه هو أن الشريعة قسمت أفعال المكلفين إلى قسمين: قسم يحصل مقصوده والمراد منه نفس وقوعه فلا يفتقر في صحته إلى نية كأداء الديون ونفقات الزوجات وأداء الحدود وإزالة النجاسات، وقسم لا يحصل بمجرد صورته العارية من النية كالتيمم والصلاة والصيام والاعتكاف.

يؤخذ مما تقدم أن النية على قسمين:

نية القصد والإرادة، وهذه شرط في كل عمل قولياً كان أو فعليا أو قلبيا، مالياً كان أم بدنيا، فرضا كان أم نفلاً.

ونية التخصيص والإضافة، وهذه ليست ملازمة ولا شرطاً في صحة العمل.

([1]) ـ[البقرة: 276]

([2]) ـ[النحل: 32]

([3]) ـ[الفرقان: 23]

([4]) ـ[النحل: 97]

([5]) ـ شرح النووي على صحيح مسلم ج11/ص117

([6]) ـ[النور: 39]

([7]) ـ[الكهف: 110]

([8]) ـ[الحج: 78]

([9]) ـ مجموع فتاوى ابن تيمية

طور بواسطة نورين ميديا © 2015