وكان مجَّاعة شريفاً فلم يقتله، وأعجب بسارية وكلامه فتركه أيضاً، وأمر بهما فأُوثقا في جوامع حديد، وكان يدعو بمجاعة وهو كذلك فيتحدث منه، ومجاعة يظن أن خالداً يقتله! فبينما هما يتحدثان قال له: " يا ابن المغيرة، إن لي إسلاماً! والله ما كفرت، ولقد قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت من عنده مسلماً وما خرجت لقتال وأعاد ذكر خروجه في طلب النميري، فقال خالد: " إن بين والقتل والترك منزلة وهي الحبس حتى يقضي الله في حربنا ما هو قاض." ودفعه إلى أم متمم امرأته التي تزوجها لما قتل زوجها مالك بن نويرة، وأمرها أن تحسن إساره، فظن مجاعة أن خالد يريد حبسه لان يشير عليه ويخبره عن عدّوه فقال: " يا خالد إنه من خاف يومك خاف غَدَك! ومن رجاك رجاهما، ولقد خفتك ورجوتك، ولقد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعته على الإسلام ثم رجعت إلى قومي، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يكن كذّاب خرج فينا فإن الله يقول: " ولا تزر وازرة وزر أخرى "، وقد عجلت في قتل أصحابي قبل التأنّي بهم، والخطأ مع العجلة " فقال خالد: " يا مُجَّاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتُك اليوم عنه وأنت أعزّ أهل اليمامة، وقد بلغك مسيري إقراراً له ورضاً بما جاء به فهلا أبليت عذراً فتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة بن أثال فرد وأنكر، وقد تكلم اليشكري، فإن قلت أخاف قومي، فهلاّ عمدت إلىّ تريد لقائي! وكتبت إليّ كتاباً، أو بعثت إليّ رسولاً! وأنت تعلم أني قد أوقعت بأهل بزاخة، وزحفت بالجيوش إليك ". فقال مجاعة: " إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كلّه فعلت! " فقال خالد: " قد عفوت عن دمك، ولكن في نفسي من تركك حَوجاء بعدُ! " فقال مجاعة: " أما إذ قد عفوت عن دمي فلا أبالي! ". وكان خالد كلما نزل منزلاً واستقرّ به دعا مجاعة فأكل وحدثه، فقال له ذات يوم: " أخبرني عن صاحبك - يعني مسيلمة - ما الذي يقرئكم؟ هل تحفظ منه شيئاً؟ " قال: " نعم. " فذكر له شيئاً من رَجَزه! فقال خالد - وضرب بإحدى يديه على الأخرى -: " يا معشر المسلمين، اسمعوا إلى عدو الله كيف يعارض القرآن! " ثم قال: " ويحك يا مجاعة! أراك رجلاً سيداً عاقلاً اسمع كتاب الله عزوجل ثم انظر كيف عارضه عدوُّ الله." فقرأ عليه خالد: " سبح اسم ربك الأعلى " فقال مجاعة: " أما إن رجلاً من أهل البحرين كان يكتب أداناه وقربه حتى لم يعد له في القرب عنده أحد، فكان يخرج إلينا فيقول: وَيَحكم يا أهل البمامة! صاحبكم والله كذّاب! وما أظنكم تتهموني عليه، إنكم تعلمون منزلتي عنده وحالي، هو والله يَكذِبكم ويأتيكم بالباطل! " قال خالد: " فما فعل البحراني؟ " قال: " هرب منه! كان لا يزال يقول هذا القول حتى بلغه، فخافه على نفسه فهرب فلحق بالبحرين ". قال خالد: " فما كان في هذا ناه ولا زاجر! " قال: " هات، زدنا من كذب الخبيث " فقال مجاعة: " أخرج لكم حنطة ورؤانا. ورطباً وتمراناً " في رَجَز له. قال خالد: " وهذا كان عندكم حقاً وكنتم تصدقونه! " قال مجاعة:" لو لم يكن عندنا حقاً لما لَقِيَتك غداً أكثر من عشرة آلاف سيف يضاربونك فيه حتى يموت الأعجل! ". قال خالد: " إذن يكفيناهم الله ويعرُّ دينه، فإياه تقاتلون، ودينه تريدون) إهـ كتاب: الإكتفا في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء (91/ 95) للإمام المحدث أبو ربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي.

وواضح جداً أن خالد رضي الله عنه لم يحكم عليه بالردة وغاية أمره أنه حبسه حتى يأمن من شره لا سيما وهو سيد في قومه، وخالد رضي الله عنه كان مقدم على حرب مع قوم مجاعة.

ويقوم الإمام الكلاعي رحمه الله عن قدوم وفد اليمامة مع خالد على أبي بكر رضي الله عنهما: (ثم أقبل - يعني أبو بكر - على مجاعة فقال: " يا مجاعة، أنت خرجت طليعة ً لمسيلمة حتى أخذك خالد أخذاً؟ " فقال:" يا خليفة رسول الله، والله ما فعلت! خرجت في طلب رجل من بني نمير قد أصاب فينا دماً، فهجمت علينا خيل خالد، ولقد كنت قدمت على رسول الله، فلما ذكر رسول الله قال أبو بكر: " قل: صلى الله عليه وسلم " فقال: " صلى الله عليه وسلم " ثم رجعت إلى قومي، فوالله ما زلت معتزلاً أمر مسيلمة حتى كان أوان مقدمي عليك هذا، ثم لم آلُ لخالد فيما استشارني إلى اليوم، وقد جئناك لترضى عمّن أساء وتقبل ممن تاب، فإن القوم قد رجعوا وتابوا " فقال أبو بكر: " أما إني قد كتبت إلى خالد كتاباً في إثر كتاب، آمره أن لا يستبقي من بني حنيفة أحداً مرّت عليه الموسَى! قال مجاعة: " الذي ضنع الله لك ولخالد خير، يفئ الله بهم إلى الإسلام " قال أبو بكر: " أرجو أن يكون ما صنع خالد خيراً،. يا مجاعة أنّى خُدعتم بمسيلمة! " قال: " يا خليفة رسول الله، لا تدخلني في القوم فإن الله يقول: " لا تزر وازرة وزر أخرى " ... ) إهـ المصدر السابق (143).

وواضح هنا أن أبو بكر رضي الله عنه لم ينكر على مجاعة لما برأ نفسه من الردة .. ولم يقل له إن سكوتك كان رضاً بكفر مسيلمة الكذاب والله أعلم.

هذا ما ظهر لي في الحادثة و ننتظر من الأخوة التعليق ... ونرجو أن يكون التعليق متعلق بنقاش هذه المسألة (هل حكم خالد رضي الله على مجاعة بالردة أو لا؟!!)

وأما من أراد أن يناقش مسألة كيف يحكم على عموم الناس في الديار التي تعلوها أحكام الكفر ويتسلط عليها الطواغيت فليدخل إلى هذا الروابط ... وجزاكم الله خيراً.

تفضلوا هذه الروابط:

http://majles.alukah.net/showthread.php?t=16373

أو

http://majles.alukah.net/showthread.php?t=20600

طور بواسطة نورين ميديا © 2015