" قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجُوزُ رِشْوَةُ الْعَامِلِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ لا لِمَنْعِ الْحَقِّ، وَإِرْشَاؤُهُ حَرَامٌ فِيهِمَا (يعني: أخذه للرشوة حرام). . .

وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ أَعْطَى الرَّجُلُ شَاعِرًا أَوْ غَيْرَ شَاعِرٍ ; لِئَلا يَكْذِبَ عَلَيْهِ بِهَجْوٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لِئَلا يَقُولَ فِي عِرْضِهِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَانَ بَذْلُهُ لِذَلِكَ جَائِزًا وَكَانَ مَا أَخَذَهُ ذَلِكَ لِئَلا يَظْلِمَهُ حَرَامًا عَلَيْهِ ; لأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ ظُلْمِهِ. . .

فَكُلُّ مَنْ أَخَذَ الْمَالَ لِئَلا يَكْذِبَ عَلَى النَّاسِ أَوْ لِئَلا يَظْلِمَهُمْ كَانَ ذَلِكَ خَبِيثًا سُحْتًا ; لأَنَّ الظُّلْمَ وَالْكَذِبَ حَرَامٌ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَهُ بِلا عِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَظْلُومِ فَإِذَا لَمْ يَتْرُكْهُ إلا بِالْعِوَضِ كَانَ سُحْتًا " انتهى باختصار.

"مجموع الفتاوى" (29/ 252).

وقال أيضا: (31/ 278):

" قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ مَنْ أَهْدَى هَدِيَّةً لِوَلِيِّ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ مَعَهُ مَا لا يَجُوزُ كَانَ حَرَامًا عَلَى الْمَهْدِيِّ وَالْمُهْدَى إلَيْهِ. وَهَذِهِ مِنْ الرَّشْوَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي).

فَأَمَّا إذَا أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً لِيَكُفَّ ظُلْمَهُ عَنْهُ أَوْ لِيُعْطِيَهُ حَقَّهُ الْوَاجِبَ: كَانَتْ هَذِهِ الْهَدِيَّةُ حَرَامًا عَلَى الآخِذِ وَجَازَ لِلدَّافِعِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ كَمَا، كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إنِّي لأُعْطِي أَحَدَهُمْ الْعَطِيَّةَ فَيَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبَّطُهَا نَارًا. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ تُعْطِيهِمْ، قَالَ: يَأْبَوْنَ إلا أَنْ يَسْأَلُونِي، وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ).

وَمِثْلُ ذَلِكَ: إعْطَاءُ مَنْ كَانَ ظَالِمًا لِلنَّاسِ، فَإِعْطَاءُه جَائِزٌ لِلْمُعْطِي، حَرَامٌ عَلَيْهِ أَخْذُهُ.

وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ فِي الشَّفَاعَةِ: مِثْلُ أَنْ يَشْفَعَ لِرَجُلِ عِنْدَ وَلِيِّ أَمْرٍ لِيَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً أَوْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ حَقَّهُ أَوْ يُوَلِّيَهُ وِلَايَةً يَسْتَحِقُّهَا أَوْ يَسْتَخْدِمُهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ - وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ - أَوْ يُعْطِيَهُ مِنْ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ الْفُقَهَاءِ أَوْ الْقُرَّاءِ أَوْ النُّسَّاكِ أَوْ غَيْرِهِمْ - وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَنَحْوَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ الَّتِي فِيهَا إعَانَةٌ عَلَى فِعْلٍ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكُ مُحَرَّمٍ: فَهَذِهِ أَيْضًا لا يَجُوزُ فِيهَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَيَجُوزُ لِلْمهْدِي أَنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ. هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ الأَكَابِرِ " انتهى بتصرف يسير.

وقال تقي الدين السبكي رحمه الله: " والمراد بالرشوة التي ذكرناها ما يعطى لدفع حق أو لتحصيل باطل، وإن أعطيت للتوصل إلى الحكم بحق فالتحريم على من يأخذها , وأما من يعطيها فإن لم يقدر على الوصول إلى حقه إلا بذلك جاز، وإن قدر إلى الوصول إليه بدونه لم يجز " "فتاوى السبكي" (1/ 204).

وقال السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص 150):

" القاعدة السابعة والعشرون: (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) كالربا، ومهر البغي , وحلوان الكاهن والرشوة , وأجرة النائحة والزامر.

ويستثنى صور: منها: الرشوة للحاكم , ليصل إلى حقه , وفك الأسير، وإعطاء شيء لمن يخاف هجوه " انتهى.

و"حلوان الكاهن": ما يأخذه الكاهن مقابل كهانته.

وقال الحموي (حنفي) في "غمز عيون البصائر":

" القاعدة الرابعة عشرة: (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) كالربا، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، والرشوة، وأجرة النائحة والزامر , إلا في مسائل:

1 - الرشوة لخوفٍ على ماله أو نفسه.

وهذا في جانب الدافع أما في جانب المدفوع له فحرام " انتهى بتصرف.

وجاء في "الموسوعة الفقهية":

" وفي "الأشباه" لابن نجيم (حنفي) , ومثله في "المنثور" للزركشي (شافعي): ما حرم أخذه حرم إعطاؤه , كالربا ومهر البغي وحلوان الكاهن والرشوة للحاكم إذا بذلها ليحكم له بغير الحق , إلا في مسائل: في الرشوة لخوفٍ على نفسه أو ماله أو لفك أسير أو لمن يخاف هجوه " انتهى.

وقال الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي: " إذا تعينت الرشوة دون غيرها سبيلاً للوصول إلى الغرض جاز الدفع للضرورة، ويحرم على الآخذ " انتهى.

والخلاصة: أنه يجوز لك دفع الرشوة ويكون التحريم على الموظف الذي يأخذها، لكن بشرطين:

1 - أن تدفعها لتأخذ حقك أو لتدفع بها الظلم عن نفسك، أما إذا كنت تدفعها لتأخذ ما لا تستحق فهي حرام، ومن كبائر الذنوب.

2 - ألا يكون هناك وسيلة أخرى لأخذ حقك أو دفع الظلم عنك إلا بهذه الرشوة.

والله أعلم.

الإسلام سؤال وجواب

فالحذر الحذر إخواني من الدخول في الخدمة العسكرية إلا أن تكونوا مكرهين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015