لأنهم منفردون بالعلم دونهم مجتمعون عليه فإذا اجتمعوا قامت بهم الحجة على من لا علم له وإذا افترقوا لم يقم بهم على أحد حجة وكان الحق فيما تفرقوا فيه أن ترد آلى القياس على ما اجتمعوا عليه فأي حال وجدتهم بها دلتني على حال من قبلهم أن كانوا مجتمعين من جهة علمت أن من كان قبلهم من أهل العلم مجتمعون من كل قرن لأنهم لا يجتمعون من جهة فإن كانوا متفرقين علمت أن من كان قبلهم كانوا متفرقين من كل قرن وسواء كان اجتماعهم من خبر يحكونه أو غير خبر للاستدلال أنهم لا يجمعون إلا بخبر لازم وسواء إذا تفرقوا حكوا خبرا بما وافق بعضهم أو لم يحكوه لأني لا أقبل من أخبارهم إلا ما أجمعوا على قوله فأما ما تفرقوا في قبوله فإن الغلط يمكن فيه فلم تقم حجة بأمر يمكن فيه الغلط)).
3 - فيقول له الشافعي: ((ومن أهل العلم الذين إذا أجمعوا قامت بإجماعهم حجة))
فيجيب: ((هم من نصبه أهل بلد من البلدان فقيها رضوا قوله وقبلوا حكمه))
فيسأله الشافعي نفس الأسئلة التي نسألها لمن يجعلون عدم العلم بالمخالف إجماعاً قطعياً فيقول له: ((196 - قلت فمثل الفقهاء الذين إذا أجمعوا كانوا حجة أرأيت إن كانوا
عشرة فغاب واحد أو حضر ولم يتكلم أتجعل التسعة إذا اجتمعوا أن يكون قولهم حجة
197 - قال فإن قلت لا
198 - قلت أفرأيت إن مات أحدهم أو غلب على عقله أيكون للتسعة أن يقولوا
199 - قال فإن قلت نعم
200 - وكذا لو مات خمسة أو تسعة للواحد أن يقول
201 - قال فإن قلت لا
202 - قلت فأي شيء قلت فيه كان متناقضا
203 - قال فدع هذا))
فالشافعي يعيب عليه أن يجعل هذه الرتبة إجماعاً كالأول؛إذا لا سبيل للجزم باجتماع هؤلاء العلماء جميعاً على القول وأنه لم يغب منهم أحد ببدنه أو برأيه ..
4 - ثم يسأله الشافعي نفس السؤال الذي طرحناه هنا من قبل: http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=288701
فقال له: ((204 - قلت فقد وجدت أهل الكلام منتشرين في أكثر البلدان فوجدت كل فرقة منهم تنصب منها من تنتهي إلى قوله وتضعه الموضع الذي وصفت أيدخلون في الفقهاء الذين لا يقبل من الفقهاء حتى يجتمعوا معهم أم خارجون (يسأله الشافعي: هل تعتد بأهل البدع عند حكايتك اتفاق الفقهاء)
205 - قال فإن قلت إنهم داخلون فيهم
206 - قلت فإن شئت فقله
207 - قال فقد قلته (إذاً فهو يعتد بهم)
208 - قال فما تقول في المسح على الخفين
209 - قال فإن قلت لا يمسح أحد لأني إذا اختلفوا في شيء رددته إلى الأصل والأصل الوضوء
210 قلت وكذلك تقول في كل شيء (فهاهنا اعتد بمخالفة الشيعة فلم يجعل مسح الخفين إجماعاً)
211 - قال نعم
212 - قلت فما تقول في الزاني الثيب أترجمه
213 - قال نعم
214 - قلت كيف ترجمه وممن نص بعض الناس علماء أن لا رجم على زان لقول الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة فكيف ترجمه ولم ترد إلى الأصل من أن دمه محرم حتى يجتمعوا على تحليله ومن قال هذا القول يحتج بأنه زان داخل في معنى الآية وأن يجلد مائة (وهنا لم يعتد بخلاف الخوارج وجعل الرجم إجماعاً)
215 - قال إن أعطيتك هذا دخل علي فيه شيء تجاوزه القدر كثرة (فلا يكاد يثبت له حكاية إجماع إن أدخل أهل البدع)
216 - قلت أجل
5 - ثم يقول له الشافعي: ((233 - وقلت له ارأيت قولك لا تقوم الحجة إلا بما اجمع عليه الفقهاء في جميع البلدان أتجد السبيل آلى إجماعهم كلهم ولا تقوم الحجة على أحد حتى تلقاهم كلهم آو تنقل عامة من عامة عن كل واحد منهم
234 - قال ما يوجد هذا
235 - قلت فإن قبلت عنهم بنقل الخاصة فقد قبلت فيما عبت وان لم
تقبل عن كل واحد آلا بنقل العامة لم نجد في اصل قولك ما اجتمع عليه البلدان إذا لم تقبل نقل الخاصة لأنه لا سبيل أليه ابتداء لأنهم لا يجتمعون لك في موضع ولا تجد الخبر عنهم بنقل عامة عن عامة))
فيُنكر عليه الشافعي ويجعل -متفقاً معنا-من قوادح جعل عدم العلم بالمخالف إجماعاً =استحالة الجزم باجتماعه مع تفرقهم وتشتتهم ..
6 - ثم يختم الشافعي له ختاماً حسناً فيقول: ((255 - وما أسمك وطريقك إلا بطريق التفرق إلا أنك تجمع إلى ذلك أن تدعي الإجماع
256 - وإن في دعواك الإجماع لخصالا يجب عليك في أصل مذاهبك أن تنتقل عن دعوى الإجماع في علم الخاصة
257 - قال فهل من إجماع
258 - قلت نعم نحمد الله كثيراً. في جملة الفرائض التي لا يسع جهلها فذلك الإجماع هو الذي لو قلت أجمع الناس لم تجد حولك أحدا يعرف شيئا يقول لك ليس هذا بإجماع.
259 - فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه ودون الأصول غيرها
260 - فأما ما ادعيت من الإجماع حيث قد أدركت التفرق في دهرك ويحكى عن أهل كل قرن فانظره أيجوز أن يكون هذا إجماعا)).
فالشافعي وغيره من أئمة السلف يحتجون بعدم العلم بالمخالف ويجعلون من أدلتهم في نقاشهم أنهم لا يعلمون خلافاً في هذا .. ولكنهم:
1 - لا يزعمون أن هذا هو الإجماع القطعي الحجة الذي ورد ذكره في كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
2 - قد يذهبون أحياناً إلا قول خلاف الأقوال التي بلغتهم؛لظهور حجة ما ذهبوا إليه عندهم؛ولأنهم لا يقطعون بانتفاء المخالف في المسألة.
وهذا هو الذي يؤيده صنيعهم وفهمه عنهم فأداه =شيخ الإسلام ابن تيمية ..
ولابن حزم كتاب مفقود في تعداد ما قاله كل واحد من الأئمة الأربعة مخالفاً فيه الوارد عمن قبله جميعه .. ولو تتبع منصف هذا الباب لوجد منه أشياء ..
ثم اعلم أن المعتبر في الإجماع القطعي وحكايته وإمكان العلم به=هو عصر الصحابة. فلا يُحكى إجماع قطعي إلى وأول طبقات حكايته الصحابة.
وكل خلاف يثور بين المسلمين في فهم نصوص الشرع فلابد أن يكون أوله ثار بين الصحابة ..
¥