فلعلك تقصد أنه استمعل أسلوب اللف والنشر المرتب في الكلام؟ لو كان كذلك لكان ذلك مأخذا عليه رحمه الله لأن العبارة الناتجة عبارة موهمة، تفتقر الى قرينة تفهم المراد، وتؤدي في المتبادر الى الأذهان الى خلاف المعنى الذي يريد! ومن ضوابط استعمال هذا الأسلوب ألا يقع منه الايهام، بوجود القرينة .. يعني لو قلت مثلا، أحضر محمد وأحمد الكتاب والقلم، فان أول معنً يفهمه السامع هو أنهما أحضرا جميعا، تلك الأشياء جميعا، ولن يتبادر الى ذهني أنك تريد ان محمدا أحضر الكتاب بينما أحضر أحمد القلم! وتأمل أسلوب اللف والنشر المرتب في قوله تعالى: ((وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ)) فقرينة وقوع اللف والنشر هنا والتي أفهمت المراد دون التباس = أن الليل هو الذي يسكن فيه الناس - بدلالة الحس وغير هذا من النص - بينما النهار هو الذي نبتغي فيه من فضله ..

ولا يقال في هذا النص أن قوله رحمه الله "ولا يجوز له أن ينظر منها إلا إلى الوجه والكفين فقط" هو القرينة التي يفهم منها وقوع اللف والنشر في الجملة الأولى .. لأنه لو استعملنا أسلوب السبر والتقسيم في المعاني التي قد تكون محتملة من الجملة الأولى، على القول بامكان وجود اللف والنشر هنا، فاننا نجدها كالتالي:

1 - للخاطب أن ينظر الى ما بطن وما ظهر منها (جميعا) متغفلا لها وغير متغفل (على السواء) = هذا بفرض عدم وجود اللف والنشر

2 - للخاطب أن ينظر الى ما بطن منها متغفلا والى ما ظهر منها غير متغفل (على الترتيب) = وهذا بفرض وقوع اللف والنشر المرتب وهو ما تفضلتم به.

3 - للخاطب أن ينظر الى ما بطن منها غير متغفل والى ما ظهر منها متغفلا (على عكس الترتيب) = وهذا على فرض وقوع اللف والنشر المشوش (العكسي) .. وان فتحنا الاحتمال للف والنشر المرتب فما الذي يمنع من احتمال وجود هذا النوع؟

هذه هي الاحتمالات الثلاثة الممكنة للنص بفتح باب اللف والنشر .. والذي يظهر جليا أن الجملة الثانية "ولا يجوز له أن ينظر منها إلا إلى الوجه والكفين فقط" ليست مانعة لأي من تلك الاحتمالات، لأن الكلام فيها على اطلاقه! بل عند التأمل فانها تمنع النظر الى ما بطن منها مطلقا بلا قيد لا في تغفل ولا غيره!! لأن الوجه والكفين لا يدخلان فيما بطن منها كما هو واضح!

ومن هنا فأنا أميل الى وقوع السقط في هذا النص من المحلى لشدة اضطرابه، والله أعلم، ولكن ليس على التوجيه الذي ذكرتموه بارك الله فيكم.

وعلى أي حال، فقد أسقطت هذا النص من استدلالي على كلام الظاهرية لابهامه واحتماله، وأوصي الاخوة بعدم الاستدلال منه على مذهب ابن حزم رحمه الله في تلك المسألة ..

شكر الله لكم المدارسة القيمة.

ـ[الدكتور عبدالباقى السيد]ــــــــ[13 - Sep-2008, مساء 10:13]ـ

العزيز الغالى أبوالفداء بارك الله فيك وجعلنا وإياكم من الراضخين للحق والعاملين به أينما وجد بقراءتك للمسألة عند ابن حزم تجد أن مذهبه النظر للوجه والكفين وكذا مذهبه فى محلاه وأنا كظاهرى لا أعرف للرجل غير هذا وللأسف ليست عندى مخطوطة لبحث الأمر ولكن ما أمل إليه إما أن الرجل رحمه الله قصد ما قلته سلفا وإما أن تصحيفا أو سقطا كما ذهبت وقع فى كلامه من النساخ وعموما شكر الله لك على مدارستك الرحيمة ونسألى الله المزد من المشاركات لإثراء المكتبة الإسلامية

ـ[أبو محمد العمري]ــــــــ[13 - Sep-2008, مساء 11:39]ـ

بارك الله في الجميع وأغبطكم على لغة الحوار والمدارسة الراقية التى أتمنى أن نتعلمها وتسود بيننا جميعاً

أنا لدى تفسير ربما يكون بسيطاً لما قد يظن من تناقض في قول ابن حزم.

هو قال متغفلاً وغير متغفل ثم قيده بالوجه والكفين فكأنه يقول للخاطب انظر إلى وجهها وكفيها بعلمها (غير متغفل) وإن كانت من النوع شديد الحياء انظر إليهما دون علمها (متغفلاً) .... هكذا ببساطة

ـ[الدكتور عبدالباقى السيد]ــــــــ[14 - Sep-2008, صباحاً 02:11]ـ

وفيك بارك أخى أبومحمد العمرى ومنحنا الله وإياك القبول وفرج عنا الكروب.

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[15 - Sep-2008, صباحاً 06:21]ـ

آمين وفيك بارك الله أيها المفضال ..

قلت: "هو قال متغفلاً وغير متغفل ثم قيده بالوجه والكفين فكأنه يقول للخاطب انظر إلى وجهها وكفيها بعلمها (غير متغفل) وإن كانت من النوع شديد الحياء انظر إليهما دون علمها (متغفلاً) .... هكذا ببساطة"

ولكن هذا التأويل ليس في العبارة قرينة ترجحه، لا سيما وقد جئت فيه بكلام لم يصرح به الرجل رحمة الله عليه ..

وكذلك، فما موقع قوله رحمه الله "الى ما بطن منها وظهر" في هذا التأويل الذي ذكرته؟ وكيف يدخل شيء من الوجه والكفين في قوله "ما بطن" ومعلوم أن مذهبه رحمه الله أنهما ليسا من عورة المرأة ولا تتكلف سترهما، فأين ما بطن منها في المسألة على هذا التوجيه؟

الاشكال أصلا أيها الفاضل يأتي من التناقض الواقع بين هذا الاطلاق وبين التقييد الذي جاء بعده في منعه النظر الى ما سوى الوجه والكفين منها، فتأمل!

فلا يزال يرجح عندي أن هذا النص فيه سقط من النساخ، فلا يحتج به على مذهب ابن حزم في المسألة، والله أعلم بالصواب.

وفقنا الله واياكم الى ما يحب ويرضى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015