حديثكم عن ''التجديد'' هل هو انخراط في ما هو سائد في الساحة أم هو شيء آخر؟

لا علم بكل ما في الساحة، لكن مدار الحديث عندي في هذا الشأن هو أن ''تجديد'' علم ما لا يمكن أن يكون بكتابة خواطر ترد على الأذهان من غير أن تؤسس على متضمنات ذلك العلم ومقتضيات أحواله ومنطقه. فنحن نتحدث ـ هنا ـ عن العلم، وهو شيء قائم بذاته، له خصائصه، فهل كل من خطر له رأي أو عرض له سانح يقحمه في علم ما دون أن يكون منه، ودون أن يكون منسجما مع مكوناته، منطويا تحت قواعده؟ هذا غير مقبول، فالتجديد يجب أن تكون لحمته وسداه وشكله ومضمونه جارية على مقتضى ماهية ذلك العلم الذي يجري فيه ذلك التجديد، ومنطوية تحت قواعده وأسسه التي بها قوامه.

ما الدواعي التي جعلتكم تدخلون غمار التأليف والكتابة؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: '' بلغوا عني ولو آية''، وقال تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) والعلم أمانة، قلّ أو كثر، ومن استطاع أن ينفع أخاه المؤمن فليفعل، نسأل الله تعالى التوفيق والإخلاص.

كونكم قيما على مدرسة علمية عتيقة، هل يساعدكم ذلك على الإنتاج العلمي؟

نعم هذا صحيح، لكن أعباء التدريس وأشغاله تذهب بكثير من الوقت والجهد، قلّ الطلبة أو كثروا، لأن ما يدرس في المدارس العتيقة لا بد من تدريسه. إلا أن التدريس هو من مثارات التأليف، لأن ما يسأل عنه الطلبة وما يعوزهم فهمه من المسائل به يدرى ما يجب أن يؤلف فيه، وما يجب أن يتضمن من أجوبة فيه، يضاف إلى ذلك ما يروج في المجالات الثقافية باختلاف أشكالها، من مثيرات لهذا الأمر، وقبل ذلك كله واجب أداء الأمانة.

كيف توفقون بين التدريس والتأليف والتربية (تربية الأبناء)؟

الجمع بين التأليف والتدريس سهل، لكن تربية الأولاد ثالثة الأثافي، المرء يحاول جهده في ذلك، ولله عاقبة الأمور.

يقال إن مؤلفات خريجي المدارس العتيقة لا تنضبط للطريقة الأكاديمية في صياغتها، ما رأيكم في ذلك؟

أرى أن هذا غير صحيح إذا أخذ بإطلاق، فإن سير فيه على التفصيل قرب من الحقيقة، ذلك أن ترتيب المعلومات والمسائل والأبواب والفصول ترتيبا منهجيا، بحيث يقدم ما ينبغي أن يقدم، ويؤخر ما ينبغي أن يؤخر، أمر جرى عليه العلماء الأقدمون في تآليفهم بدقة عالية، وهذا شيء نبهت عليه في كتابي ''منهج الأصوليين في بحث الدلالة اللفظية''، وقلت ما معناه ـ والحديث جار عن كتب الأصول: ''تعتبر المؤلفات الأصولية القديمة من حيث تأليفها ذات منهج علمي دقيق، ومن مظاهر ذلك:

ـ التدرج في تبليغ المعرفة وإيصالها إلى المتلقي بحيث تقدم المسائل التي تفضي إلى فهم ما يليها من المسائل، وبذلك يكون ترتيب المسائل في الكتاب كترتيب درجات السلم، كل واحدة منها توصل إلى التي تليها، والسير إلى الأعلى.

ـ تقديم الإثبات على النفي ـ لأن النفي فرع الإثبات، والأصل مقدم على الفرع ـ كتقديم الأمر على النهي.

ـ تقديم الظاهر على الجلي ـ كتقديم العموم على الخصوص.

ـ تقديم الكلام على ما يحتاج إليه في البحث قبل موضع الحاجة إليه، كتقديم البحث في أقسام الكلام، والحروف قبل غيره.

وغير ذلك من الاعتبارات والقواعد المنهجية التي يسار عليها في تآليف علمائنا القدامى. وعلى طريقة هؤلاء يسير المؤلفون المتخرجون من المدارس العتيقة ما كانوا مؤلفين حقيقة. نعم، طم الجمود وغلب الكسل على طلبة العلم بهذه المدارس منذ زمن بعيد، فجهلوا مناهج السلف في هذا الشأن وغيره، فكان هذا الذي ذكرته من الركاكة والضعف في التأليف. وهذا ـ على كل حال ـ ليس عاما.

----------------------

نقلا عن جريدة التجديد - للفائدة

http://www.royalluxe.nl/vb/showthread.php?t=99

ـ[ابو العسل التسامرتي]ــــــــ[21 - صلى الله عليه وسلمug-2008, مساء 10:30]ـ

الشيخ العلامة أبو الطيب مولود السريري: الحديث عن السنة حديث عن بحور من العلم والأسرار والأحكام

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015