31 - أَمَّا النَّفَل فَيَجُوزُ صَوْمُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ - خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ - بِنِيَّةٍ قَبْل الزَّوَال، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَال: هَل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟، فَقُلْنَا: لاَ، فَقَال: فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ (3).
وَلأَِنَّ النَّفَل أَخَفُّ مِنَ الْفَرْضِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ الْقِيَامِ فِي النَّفْل مَعَ الْقُدْرَةِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي الْفَرْضِ.
وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوَال، وَالْمَذْهَبُ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ: لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَصْحَبَ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ (4).
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا، فَرْضًا أَوْ نَفْلاً - نِيَّةٌ مُبَيَّتَةٌ (1)، وَذَلِكَ لإِِطْلاَقِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل، فَلاَ صِيَامَ لَهُ (2).
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ النِّيَّةِ فِي النَّفْل، قَبْل الزَّوَال وَبَعْدَهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَحَدِيثِ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَأَنَّهُ قَوْل مُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُهُ صَرِيحًا، وَالنِّيَّةُ وُجِدَتْ فِي جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ وُجُودَهَا قَبْل الزَّوَال بِلَحْظِهِ (3).
وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ نِيَّةِ النَّفْل فِي النَّهَارِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنْ لاَ يَكُونَ فَعَل مَا يُفْطِرُهُ قَبْل النِّيَّةِ، فَإِنْ فَعَل فَلاَ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، قَال الْبُهُوتِيُّ: بِغَيْرِ خِلاَفٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، لَكِنْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو زَيْدٍ الشَّافِعِيُّ (4).
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِي اعْتِبَارِ الثَّوَابِ: مِنْ أَوَّل النَّهَارِ، أَمْ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ؟ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الأَْكْثَرِينَ: أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّل النَّهَارِ، كَمَا إِذَا أَدْرَكَ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ، يَكُونُ مُدْرِكًا لِثَوَابِ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ جَمِيعُ شُرُوطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّل النَّهَارِ.
32 - رَابِعًا: تَجْدِيدُ النِّيَّةِ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فِي كُل يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، مِنَ اللَّيْل أَوْ قَبْل الزَّوَال - عَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ - وَذَلِكَ لِكَيْ يَتَمَيَّزَ الإِْمْسَاكُ عِبَادَةً عَنِ الإِْمْسَاكِ عَادَةً أَوْ حِمْيَةً (1).
وَلأَِنَّ كُل يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لاَ يَرْتَبِطُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَلاَ يَفْسُدُ بِفَسَادِ بَعْضٍ، وَيَتَخَلَّلُهَا مَا يُنَافِيهَا، وَهُوَ اللَّيَالِي الَّتِي يَحِل فِيهَا مَا يُحَرَّمُ فِي النَّهَارِ، فَأَشْبَهَتِ الْقَضَاءَ، بِخِلاَفِ الْحَجِّ وَرَكَعَاتِ الصَّلاَةِ (2).
وَذَهَبَ زُفَرُ وَمَالِكٌ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّهُ تَكْفِي نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّهِ فِي أَوَّلِهِ، كَالصَّلاَةِ. وَكَذَلِكَ فِي كُل صَوْمٍ مُتَتَابِعٍ، كَكَفَّارَةِ الصَّوْمِ وَالظِّهَارِ، مَا لَمْ يَقْطَعْهُ أَوْ يَكُنْ عَلَى حَالِةِ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ فِيهَا، فَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، وَذَلِكَ لاِرْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَعَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ، فَكَفَتْ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَبْطُل بِبُطْلاَنِ بَعْضِهَا، كَالصَّلاَةِ (1).
فَعَلَى ذَلِكَ لَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ صِيَامُ الْبَاقِي بِتِلْكَ النِّيَّةِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَقِيل: يَصِحُّ، وَقَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ.
وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ (2). وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ -: لاَ بُدَّ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ الْمُتَتَابِعِ مِنَ النِّيَّةِ كُل يَوْمٍ، نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ كَالْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ، مِنْ حَيْثُ عَدَمُ فَسَادِ مَا مَضَى مِنْهُ بِفَسَادِ مَا بَعْدَهُ (3).
بَل رُوِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّ الْمُقِيمَ الصَّحِيحَ، لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، لأَِنَّ الإِْمْسَاكَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ، فَكَانَ مُتَرَدِّدًا بِأَصْلِهِ مُتَعَيِّنًا بِوَصْفِهِ، فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ أَتَى بِهِ وَقَعَ عَنْهُ (4).
¥