: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ (1).

وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ خَرَجَ يَوْمًا عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَال: " إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَمَرَّتْ بِي جَارِيَةٌ لِي، فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَمَا تَرَوْنَ؟ فَقَال عَلِيٌّ: أَصَبْتَ حَلاَلاً، وَتَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَال عُمَرُ: أَنْتَ أَحْسَنُهُمْ فُتْيَا (2).

وَلأَِنَّ مَا أَتَى بِهِ قُرْبَةً، فَيَجِبُ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ عَنِ الْبُطْلاَنِ، وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الإِْفْسَادِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (3) وَلاَ يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلاَّ بِإِتْيَانِ الْبَاقِي، فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الإِْفْسَادِ ضَرُورَةً، فَصَارَ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمُتَطَوَّعَيْنِ (1).

وَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ إِذَا فَسَدَ صَوْمُ النَّافِلَةِ عَنْ قَصْدٍ، أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ عَرَضَ الْحَيْضُ لِلصَّائِمَةِ الْمُتَطَوِّعَةِ.

وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الإِْفْسَادِ نَفْسِهِ، هَل يُبَاحُ أَوْ لاَ؟ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بِعُذْرٍ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، هِيَ رِوَايَةُ الْمُنْتَقَى: يُبَاحُ بِلاَ عُذْرٍ، وَاسْتَوْجَهَهَا الْكَمَال إِذْ قَال: وَاعْتِقَادِي أَنَّ رِوَايَةَ الْمُنْتَقَى أَوْجَهُ (2) لَكِنْ قُيِّدَتْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنْ نِيَّتِهِ الْقَضَاءُ (3).

وَاخْتَلَفُوا - عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ - هَل الضِّيَافَةُ عُذْرٌ أَوْ لاَ؟.

قَال فِي الدُّرِّ: وَالضِّيَافَةُ عُذْرٌ، إِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مِمَّنْ لاَ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ، وَيَتَأَذَّى بِتَرْكِ الإِْفْطَارِ، فَيُفْطِرُ، وَإِلاَّ لاَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ، أَفْطَرَ وَلَوْ كَانَ صَوْمُهُ قَضَاءً، وَلاَ يُحَنِّثُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

وَقِيل: إِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُل، لاَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ. وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ يُفْطِرُ.

وَهَذَا إِذَا كَانَ قَبْل الزَّوَال، أَمَّا بَعْدَهُ فَلاَ،إِلاَّ لأَِحَدِ أَبَوَيْهِ إِلَى الْعَصْرِ، لاَ بَعْدَهُ (1). - وَالْمَالِكِيَّةُ أَوْجَبُوا الْقَضَاءَ بِالْفِطْرِ الْعَمْدِ الْحَرَامِ، احْتِرَازًا عَنِ الْفِطْرِ نِسْيَانًا أَوْ إِكْرَاهًا، أَوْ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، أَوْ خَوْفِ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتِهِ، أَوْ شِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، حَتَّى لَوْ أَفْطَرَ لِحَلِفِ شَخْصٍ عَلَيْهِ بِطَلاَقٍ بَاتٍّ، فَلاَ يَجُوزُ الْفِطْرُ، وَإِنْ أَفْطَرَ قَضَى.

وَاسْتَثْنَوْا مَا إِذَا كَانَ لِفِطْرِهِ وَجْهٌ: - كَأَنْ حَلَفَ بِطَلاَقِهَا، وَيَخْشَى أَنْ لاَ يَتْرُكَهَا إِنْ حَنِثَ، فَيَجُوزُ الْفِطْرُ وَلاَ قَضَاءَ.

- أَوْ أَنْ يَأْمُرَهُ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ بِالْفِطْرِ، حَنَانًا وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِ مِنْ إِدَامَةِ الصَّوْمِ، فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ.

- أَوْ يَأْمُرُهُ أُسْتَاذُهُ أَوْ مُرَبِّيهِ بِالإِْفْطَارِ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْوَالِدَانِ أَوِ الشَّيْخُ (2).

12 - وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، لاَ يُوجِبُونَ إِتْمَامَ نَافِلَةِ الصَّوْمِ، وَلاَ يُوجِبُونَ قَضَاءَهَا إِنْ فَسَدَتْ، وَذَلِكَ: - لِقَوْل عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا يَا رَسُول اللَّهِ، أُهْدِيَ إِلَيْنَا حَيْسٌ (3) فَقَال: أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا. فَأَكَل وَزَادَ النَّسَائِيُّ: إِنَّمَا مِثْل صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مِثْل الرَّجُل يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا (1).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015