وفي الإشراف لابن المنذر نقله عنه ابن القطان أيضا: وثبتت الأخبار عن رسوله الله صلى عليه وسلم أنه أمر بالرجم ورجم. فالرجم ثابت بسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم باتفاق عوام أهل العلم، مالك وأهل المدينة والاوزاعي وأهل الشام والثوري وأهل العراق، وهو قول عوام أهل القياس وعلماء الامصار وفي الاستذكار أيضا، ونقله ابن القطان: وأجمع الجمهور من الصحابة ومن بعدهم أن المحصن حده الرجم، واختلفوا هل الجلد معه، وأما المبتدعة كالخوارج والمعتزلة فلا يرون رجم الزاني وأن أحصن ذلك، وإنما حده الجلد. ولايعرج عليهم، ولا يعتبر خلافهم وإذا ثبت الإجماع على أن البكر تجلد فقط، والثيب المحصن ترجم، فهذا الحد الوارد في الحديث على خلاف هذا الإجماع، فهو متروك العمل، فلا يكون حجة، لان ضرب العنق هو الذي ثبت فيه.
الثالث: إن الظاهر أن هذا كان مستحيلا لذلك، فيكون باستحلاله مرتدا. والدليل عليه أنه مذهب أهل الجاهلية. كان أحدهم يرى أنه أولى بامرأة أبيه من الأجنبي فيرثها كما يرث ماله، فقتل للردة وأخذ ماله، لأنه لا يرثه ورتثه. وأيضا بمخالفة حد الزنا فيه من الجلد والرجم دليل على ذلك. وأيضا فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على جماعة، وإقامة الصحابة بعده، ولم يأخذوا شيئا من أموالهم، ولا أقامه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أقاموه في الزنا قط بضرب العنق، فدل هذا على أنه أمر وراء الزنا.
الرابع: أن هذا لو كان حدا للزنا لا للردة، لكان الزنا الصرف الذي لا عقد نكاح فيه أولى مما فيه عقد النكاح، ولو كان على محرم، والدليل على هذه الأولوية أن من العلماء من لم ير إقامة الحد في نكاح ذات المحرم، قال أبو حنيفة: يعزر و لايحد، وقال سفيان: إذا كان شهود لا يحد. فهذا قد اختلف العلماء في أنه زنا أولا. فإذا وقع التغليط في ذلك بضرب العنق وأخذ المال، فما كان من زنا مجمعا عليه لا عقد فيه يوجب الشبهة عند قائل أولى أن يؤخذ فيه بذلك، ولم يقل أحد بذلك.
لايقال: أن هذه الحرمة زوجة الأب، وقوة ذلك عما سواه من الزنا بالأجنبية لتأكد الحرمة.
لأنا نقول: ولنفرض ذلك فيما إذا زنى بأمه، فإن من قال بضرب العنق وأخذ المال هو أحمد وإسحاق، وما قالا بذلك إلا في نكاح ذات المحرم، اتباعا للظاهر وقصر الحكم عل موردها.
لايقال: أن النكاح الوارد في الحديث المراد به الوطء لا العقد.
لأنا نقول: ذلك مردود، لأن من طرق حديث البراء ما رواه أبو داود قال: نا مسدد قال: حدثنا خالد بن عبد الله نا مطرف عن أبي الجهم عن البراء بن عازب قال: بينما أنا أطوف على ابل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس معه لواء، فجعل الاعراب يطيفون بي لمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتوا قبة فاستخرجوا منها رجلا فضربوا عنقه. فسألت فذكروا أنه عرس بامرأة أبيه. قال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: أن قوله في الحديث عرس كناية عن النكاح والبناء على الأهل، وحقيقته الإلمام بالعروس بليل، ويدل على أن المراد بالنكاح العقد. أن أحمد بن هشام الحميدي نا أحمد بن عبد الجبار العطاردي نا حفص بن غياث عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه. قال: فهذا قد جاء بلفظ التزويج كما ترى لذلك أتى أيضا في الترمذي بلفظ التزويج كما سبق.
لايقال: لو جاز تأويل القتل بالاستحلال لجاز تأويل الرجم بالاستحلال، فقد كان أهل الجاهلية يستحلون الزنا.
لانا نقول: علم من الكتاب والسنة والإجماع أن الرجم على من أحصن من المسلمين، ولرجم من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والتوبة التي أحد مقامات اليقين، فلا محوج إلى التأويل، ثم لا مصحح له، لو تأول لما صح وثبت بالوجوه السابقة من رجم من أحصن من المسلمين.
السادس: مما يدل على استحلاله أنه عقد النكاح وبنى بامرأة أبيه، ولو كان غير مستحل لقدم على هذه المعصية كما يقدم سائر العصاة على المعاصي في تستر وتخف، لا بإشهاد على ما راموه من ذلك الإشهار له، والعقد ليس مما يخفى.
¥