والمقصود من القاعدة: أنه إذا حكم القاضي على أحد الخصمين في مسألة خلافية بأحد القولين فيها فليس للمحكوم عليه أن يتنصل من هذا الحكم بحجة أنه يرجح أو يقلد خلافه، وتكون المسألة حينئذ في حقه كالمجمع عليها. هذا المقصود من القاعدة؛ وليس جعل حكمه حكما عاما للناس جميعا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق "حكم الحاكم" ولو كان الحاكم أفضل أهل زمانه؛ بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قوما معينين تحاكموا إليه في قضية معينة؛ لا يلزم جميع الخلق) مجموع الفتاوى 35/ 372
ويقول: (فهذه الأمور الكلية ليس لحاكم من الحكام كائنا من كان -ولو كان من الصحابة- أن يحكم فيها بقوله على من نازعه في قوله؛ فيقول: ألزمته أن لا يفعل ولا يفتي إلا بالقول الذي يوافق لمذهبي؛ بل الحكم في هذه المسائل لله ورسوله –عليه الصلاة والسلام- والحاكم واحد من المسلمين؛ فان كان عنده علم تكلم بما عنده وإذا كان عند منازعه علم تكلم به؛ فان ظهر الحق في ذلك وعُرف حكم الله ورسوله –عليه الصلاة والسلام- وجب على الجميع اتباع حكم الله ورسوله –عليه الصلاة والسلام- وإن خفي ذلك أقر كل واحد على قوله -أقر قائل هذا القول على مذهبه وقائل هذا القول على مذهبه- ولم يكن لأحدهما أن يمنع الآخر إلا بلسان العلم والحجة والبيان؛ فيقول ما عنده من العلم.
وأما باليد والقهر فليس له أن يحكم إلا في المعينة التي يتحاكم فيها إليه، مثل ميت مات وقد تنازع ورثته في قسم تركته فيقسمها بينهم إذا تحاكموا إليه، وإذا حكم هنا بأحد قولي العلماء ألزم الخصم بحكمه، ولم يكن له أن يقول: أنا لا أرضى حتى يحكم بالقول الآخر، وكذلك إذا تحاكم إليه اثنان في دعوى يدعيها أحدهما فصل بينهما كما أمر الله ورسوله –عليه الصلاة والسلام- وألزم المحكوم عليه بما حكم به، وليس له أن يقول أنت حكمت علي بالقول الذي لا أختاره) مجموع الفتاوى 35/ 360
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -أيضا- زيادة في تحرير الكلام عن هذه القاعدة: (والأمة إذا تنازعت في معنى آية أو حديث أو حكم خبري أو طلبي لم يكن صحة أحد القولين وفساد الآخر ثابتا بمجرد حكم حاكم فإنه إنما ينفذ حكمه في الأمور المعينة دون العامة، ولو جاز هذا لجاز أن يحكم حاكم بأن قوله تعالى: (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) هو الحيض والأطهار، ويكون هذا حكما يلزم جميع الناس قوله، أو يحكم بأن اللمس في قوله تعالى: (أو لامستم النساء) هو الوطء والمباشرة فيما دونه، أو بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو الأب والسيد وهذا لا يقوله احد ... والذي على السلطان في مسائل النزاع بين الأمة أحد أمرين: إما أن يحملهم كلهم على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة لقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وإذا تنازعوا فَهِمَ كلامهم إن كان ممن يمكنه فهم الحق؛ فإذا تبين له ما جاء به الكتاب والسنة دعا الناس إليه، و [ولعل الصواب: أو] أن يقر الناس على ما هم عليه كما يقرهم على مذاهبهم العملية ... وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب والسنة فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، ولا يفيد حكم حاكم بصحة قول دون قول في مثل ذلك إلا إذا كان معه حجة يجب الرجوع إليها؛ فيكون كلامه قبل الولاية وبعدها سواء، وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها فى العلم). مجموع الفتاوى 3/ 238 - 240.
الاستدلال الثامن: الاستدلال بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ينبه الصحابة الذين حجوا معه على عدم الخروج عن حدود هذا المسعى المعروف.
وهذا الاستدلال قد ذكره بعضهم؛ وتقريره: أن الذين حجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام مائة ألف أو يزيدون، والوادي فسيح، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يحذر الصحابة من الخروج عن حدود هذا المسعى المعلوم مع أن هذا وارد مع كثرة العدد وعدم وجود حدود تمنعهم من الذهاب شرقا وغربا؛ وعليه فلا حرج من التوسعة الشرقية للمسعى.
وهذا الكلام لا شك في بطلانه، وصاحبه قد تكلم في المسألة دون أن يتصور الواقع الذي يتحدث عنه.
فالمسعى لم يكن واديا فسيحا لا يحده شيء شرقا وغربا بحيث يمكن حصول ما ذكروا؛ بل قد كانت البيوت محدقة به على حافتيه؛ وعليه فلا يمكن لأحد منهم أن يسعى إلا في هذا المكان المعلوم.
¥