ـ[أبو ريان المدني]ــــــــ[27 - May-2008, مساء 11:00]ـ
الاستدلال الخامس: الاستدلال بالضرورة، وأن الأمر إذا ضاق اتسع.
من أكثر ما قرأته في هذا الموضوع من الاستدلالات: الاستدلال على جواز توسعة المسعى بالضرورة؛ نظرا للمشقة الحاصلة على المسلمين من ضيق المسعى؛ والقاعدة: أن الأمر إذا ضاق اتسع.
وإذا كان المستدل بهذا الاستدلال من أصحاب مسلك التيسير الذي اتخذوه غاية ومنهجا لا يبالون لأجله بتخطي النصوص وتعدي الحدود؛ فهؤلاء لست معنيا بجوابهم؛ لأن الخلاف معهم أكبر من مسألة توسعة المسعى؛ إنه خلاف يشمل مسائل كثيرة؛ بل هو خلاف في منهج التلقي والاستدلال.
ولست أريد أن أخوض في ضوابط الضرورة ومدى انطباقها على الوضع الحالي –وهو السعي في الطوابق الثلاثة-.
سأتجاوز ذلك وأجيب بأنه على تسليم حصول المشقة العظيمة التي تبلغ بالأمر إلى حد الاضطرار فإنه يقال: من المتقرر عند أهل العلم أن الضرورة تقدر بقدرها؛ وعليه فإن الضرورة قد تبيح توسعة المسعى لو كانت الخيار الوحيد لدفعها؛ أما مع وجود ما يدفعها دون تخطي الحدود الشرعية؛ فإن الاستدلال بالضرورة يصبح حينئذ لا وجه له شرعا.
وإذا نظرنا في هذه المسألة وجدنا أن البديل لدفع الضرورة ممكن؛ وهو التوسع رأسيا بزيادة عدد من الأدوار تندفع بها هذه المشقة -لأن الهواء يحكي القرار- مع بقاء الحدود الشرعية للمسعى كما هي، وهذا ما أرشد إليه كبار العلماء في فتواهم الصادرة بالأغلبية في هذا الموضوع؛ فقد جاء في قرار الهيئة رقم (227) وتاريخ 22/ 2/1427هـ: (وبعد الدراسة والمناقشة والتأمل رأى المجلس بالأكثرية أن العمارة الحالية للمسعى شاملة لجميع أرضه، ومن ثم فإنه لا يجوز توسعتها، ويمكن عند الحاجة حل المشكلة رأسيا بإضافة بناء فوق المسعى).
ومن اللافت للنظر أنه مع كثرة المستدلين بالضرورة على جواز التوسعة لم أجد منهم تعريجا على الخيار الآخر وهو التوسع رأسيا؛ فالملاحظ أنهم قد أهملوا الإشارة إليه فضلا عن الجواب عنه.
وإنني لأطرح عليهم السؤال مرة أخرى: لماذا لا يكون الحل في زيادة الطوابق دون التوسعة؟
ولماذا الحرص على تغيير هذا المشعر الذي حافظ عليه المسلمون بحدوده أكثر من أربعة عشر قرنا مع وجود الحل الآخر؟
وبناء على التقرير السابق؛ فإنه إذا استدل المستدل على جواز توسعة المسعى بقاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع؛ فإنه يجاب بتتمة القاعدة: وإذا اتسع –بإمكان التوسعة الرأسية- ضاق!
ثم إنه يلزم المستدل بالضرورة أن يقصر جواز السعي في التوسعة الجديدة على الوقت الذي يشتد فيه الزحام جدا –في أوقات المواسم المعلومة- وأما ما عداها فلا يجوز السعي فيها؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، ولأنه إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق!
الاستدلال السادس: الاستدلال بقاعدة: الزيادة لها حكم المزيد؛ وبناء عليه فيكون للتوسعة حكم المسعى؛ فيجوز السعي فيها.
والجواب أن هذا الاستدلال بيّن الضعف؛ ذلك أن الزيادة لها حكم المزيد متى ثبت شرعا جواز الزيادة؛ وأما مع منعها فلا؛ فليس لصاحب أرض أن يغتصب الطريق المجاورة لأرضه ويضمها إليها ويقول: قد زدتها؛ والزيادة لها حكم المزيد!
والمانعون قد بينوا أن هذا المشعر توقيفي لا تجوز الزيادة عليه؛ وعليه فلا يصح الاستدلال بالقاعدة؛ بل الاستدلال بها حينئذ استدلالٌ بمحل النزاع.
الاستدلال السابع: الاستدلال بقاعدة: حكم الحاكم يرفع الخلاف.
والجواب عن هذا الاستدلال بعدم التسليم بكون هذه المسألة خلافية أصلا؛ فالخلاف فيها حادث؛ إذ هو مخالف لإجماع العلماء -بل المسلمين- قبله على أن المسعى محل تعبدي توقيفي.
ثم إن الاستدلال بهذه القاعدة موضع استغراب؛ فالحاكم في القاعدة يراد به القاضي وليس السلطان؛ ويراجع في هذا كلام العلماء عن القاعدة لا سيما ما ذكره القرافي في كتابه: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وفي كتابه الفروق أيضا.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما حكم الحاكم فذاك يقال له: قضاء القاضي ... ) مجموع الفتاوى 35/ 376
ويقال أيضا: إن القرافي وغيره من أهل العلم قد بينوا أن محل القاعدة: مسائل النزاع والخصومات بين الناس وليس التعبديات.
¥