وهذا الحكم قد توارد على تقريره كثير من أهل العلم.
قال النووي في المجموع 8/ 102: ((فرع) قال الشافعي والأصحاب: لا يجوز السعي في غير موضع السعي؛ فلو مرّ وراء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه؛ لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف.
قال أبو علي البندنيجى في كتابه الجامع: موضع السعي بطن الوادي.
قال الشافعي في القديم: فإن التوى شيئا يسيرا أجزأه، وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤدي إلى زقاق العطارين لم يجز.
وكذا قال الدارمي: إن التوى في السعي يسيرا جاز، وان دخل المسجد أو زقاق العطارين فلا، والله أعلم).
ونقل قول الشافعي هذا غير واحد، منهم: الروياني في بحر المذهب 5/ 173، والرملي في نهاية المحتاج 3/ 291 وغيرهم.
على أن من الشافعية من استشكل جواز هذا عن الشافعي وتأوله بأنه أراد الالتواء الذي لا يخرج عن حدود المسعى، كما تجده في تحفة المحتاج وحواشي الشرواني وغيرها من كتب الشافعية.
وقال النووي –أيضا- في الإيضاح في مناسك الحج 290 –مع حاشية الهيتمي-: ( ... فلو أنه لما عاد من المروة عدل عن موضع السعي وجعل طريقه في المسجد أو غيره وابتدأ المرة الثانية من الصفا أيضا لم يصح). إذن فللسعي موضعه الواضح المعلوم.
ومن تقرير العلماء لهذا الحكم أيضا: قول شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة 2/ 599: (لو سعى في مسامتة المسعى وترك السعي بين الصفا والمروة لم يجزه).
وقول القطب الحنفي في كتابه الإعلام 103 –نقلا عن تحصيل المرام 1/ 342 - : (السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية التي أوجبها الله تعالى علينا، ولا يجوز العدول عنه، ولا تُؤدى هذه العبادة إلا في ذلك المكان المخصوص الذي سعى فيه صلى الله عليه وسلم).
وقول العلامة الشنقيطي في أضواء البيان 5/ 253: (اعلم أنه لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو كان يمر من وراء المسعى حتى يصل إلى الصفا والمروة من جهة أخرى لم يصح سعيه؛ وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه.
وعن الشافعي في القديم: أنه لو انحرف عن موضع السعي انحرافا يسيرا أنه يجزئه. والظاهر أن التحقيق خلافه، وأنه لا يصح السعي إلا في موضعه).
المسألة الثانية: تحديد المسعى.
قد تقرر في القرآن الكريم أن الصفا والمروة من شعائر الله سبحانه، قال تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أي من أعلام دينه الظاهرة التي تعبّد بها عباده.
وهذا الموضع معروف بيّن عند المسلمين كافة لا يختلفون فيه، وليس لهم –عبر تاريخهم- مكان يسعون فيه سواه.
يقول أبو المعالي الجويني في نهاية المطلب 4/ 304: (ومكان السعي معروف لا يُتعدى).
ويقول ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح 5/ 475: (والمسعى هو المكان المعروف اليوم؛ لإجماع السلف والخلف عليه كابرا عن كابر).
ويقول الفاسي في كتابه شفاء الغرام 1/ 521: (وما حُفظ عن أحد منهم [أي أهل العلم] إنكارٌ لذلك [أي السعي في محل السعي المعروف] ولا أنه سعى في غير المسعى اليوم).
ويقول مؤرخ مكة محمد طاهر الكردي في كتابه التاريخ القويم 5/ 363 –أثناء كلامه عن اختلاف أوضاع الناس في السعي سهولة وصعوبة منذ القدم وإلى العصر الحاضر-: (موضع السعي هو هو؛ لم يتغير ولم يتبدل ولم ينقص ولم يزد).
ومع كون هذا المشعر العظيم معلوما ظاهرا للناس قد جرى تواترهم العملي على تعيينه - فإن كثيرا من العلماء قد عُنوا بتحديده؛ سواء أكانوا من علماء الفقه أو التفسير أو التاريخ أو من أصحاب الرحلات.
ويمكن استخلاص تحديد المسعى في كلام العلماء من جهتين:
الأولى: تحديد عرض المسعى.
والثانية: تحديد الصفا والمروة.
أما عن الأولى: فإن من العلماء من ذكر حد المسعى إجمالا؛ وهو عرض الوادي –كما سبق النقل من المجموع للنووي – وهذا الوادي كان موجودا قديما، وهو محل السعي.
غير أن آخرين من أهل العلم كانوا أكثر تدقيقا؛ فقد حددوا عرض المسعى بالذراع، وأقدم من وقفت عليه قد اعتنى بهذا الأمر: أبو الوليد الأزرقي (قيل إنه توفي في 223هـ، وقيل 250هـ، وقيل غير ذلك)؛ فإنه ذكر في أخبار مكة 2/ 119 أن عرض المسعى –فيما بين العلم الذي على باب المسجد إلى العلم الذي على دار العباس- خمسة وثلاثون ذراعا ونصف ذراع.
¥