كلمة حق في توسعة المسعى/ (دراسة علمية تاريخية عن حكم توسعة المسعى)

ـ[أبو ريان المدني]ــــــــ[27 - May-2008, مساء 10:59]ـ

كتبها

د. صالح بن عبد العزيز بن عثمان سندي

ملحوظة:

لم تطب نفسي بنشر البحث حتى عرضته على عدد من أهل العلم وطلابه؛ فاستحسنوه، وحثوا على نشره، والحمد لله على إعانته.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلا أظن أن مسألة فقهية معاصرة قد حظيت بما حظيت به توسعة المسعى التي قامت مؤخرا من نقاش علمي وحشد إعلامي، وقد كنت متابعا لما يُكتب ويُقال منذ ابتداء العمل فيها وإلى هذه الأيام.

ولقد هالني ما قرأت وما سمعت مما أجلب عليه كثير من المتكلمين في الموضوع من أدلة، وما طوعوه من قواعد ليوافق ما اختاروا، ولست بالتأكيد أعني الجميع.

إن الحق الذي لا ريب فيه أن الصفا والمروة من شعائر الله، والمسعى بينهما محلٌ توقيفي عرفه المسلمون أجمعون كما هو دون زيادة أو نقصان، وتوارثوه على حاله جيلا بعد جيل.

والقائلون بجواز هذه التوسعة لم يظفروا –على كثرة ما بحثوا وقالوا- بدليل صحيح صريح الدلالة لا معارض له يعضد ما نصروا، ولا بنص واحد عن إمام معتبر من أئمة المسلمين السابقين يجيز فيه توسعة المسعى، ولا بنقل عن أحد منهم أنه سعى في غير المسعى المعروف.

وهذه الأوراق فيها بحث هذا الموضوع: تأصيلا له، ومناقشة لأدلة المجيزين، وكان الوصول إلى الحق قصدي في كتابتها.

كما قصدت السعي في الذب عن أعراض علماء أعلام تناولتهم ألسنة وأقلام بغمز ولمز لفتواهم بعدم الجواز، مع أنهم –دون شك- أسعد بالصواب.

أسأل الله أن يجعل هذا المكتوب مسددا نافعا، كما أسأله أن يوفق ولاة أمرنا وعلماءنا إلى ما يحب، وأن يأخذ بأيديهم إلى ما يرضيه، والله المستعان.

المسألة الأولى: محل السعي.

إن مما لا تختلف فيه كلمة المسلمين أن محل السعي شرعا: ما بين الصفا والمروة، ودليل ذلك من كتاب الله قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).

ودليله من السنة: كونه المحل الذي سعى فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في السنة عشرات الأحاديث –في الصحيحين وغيرهما- فيها التنصيص على أنه عليه الصلاة والسلام سعى بين الصفا والمروة، وهو القائل: (خذوا عني مناسككم) أخرجه مسلم.

وعليه فمن سعى خارجا عما بين الصفا والمروة لم يكن ممتثلا للأمر الشرعي؛ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أخرجه مسلم.

ولأجل هذا فقد نص جمع من الفقهاء على أن من شروط صحة السعي أن يكون في محله بين الصفا والمروة.

قال الرملي في نهاية المحتاج 3/ 291: (ويشترط [أي في السعي] قطع المسافة بين الصفا والمروة كل مرة، ولا بد أن يكون قطع ما بينهما من بطن الوادي، وهو المسعى المعروف الآن). ثم نقل إجماع العلماء وغيرهم من وقت الأزرقي (قيل إنه توفي في 223هـ، وقيل 250هـ، وقيل غير ذلك) إلى زمانه (توفي في 1004هـ) على أن السعي إنما هو في المسعى المعروف.

وانظر أيضا: حاشية البجيرمي على الخطيب 2/ 375، وغيرها من كتب الشافعية.

وأنبه هنا إلى أن الوادي في كلام الرملي وغيره من العلماء في هذا المقام يراد به المسيل الذي بين الصفا والمروة، قال ابن جبير في رحلته 88: (وما بين الصفا والمروة مسيل). وليس هذا هو الوادي الآخر الممتد شرقا وغربا الذي يمر به في موضع الهرولة.

ومن كلام العلماء في الاشتراط المذكور قول الحطاب المالكي في مواهب الجليل لشرح مختصر خليل 4/ 118: (وللسعي شروط ... ومنها كونه بين الصفا والمروة؛ فلو سعى في غير ذلك المحل بأن دار من سوق الليل أو نزل من الصفا فدخل المسجد لم يصح سعيه).

وفي المسلك المتقسط في المنسك المتوسط (192) لملا علي القاري –مع حاشيته إرشاد الساري- أثناء الكلام عن شروط السعي؛ ذكر في الشرط الأول: ((كينونته بين الصفا والمروة) أي بأن لا ينحرف عنهما إلى أطرافهما).

وهذا الاشتراط لم تخل منه كتب الفقه المعاصرة أيضا؛ ففي فقه السنة لسيد سابق 1/ 639 أثناء الكلام عن شروط السعي: (وأن يكون السعي في المسعى؛ وهو الطريق الممتد بين الصفا والمروة).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015