فِيهَا شَيْءٌ خَارِجٌ عَنْهُ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهَا فَيَقُولُ: حَبَّبَ إلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَالْفَرَائِضَ وَسَائِرَ الطَّاعَاتِ؛ بَلْ أَجْمَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: {حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ}. فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَبَّبَ إلَى الْمُؤْمِنِينَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَسَائِرَ الطَّاعَاتِ حُبَّ تَدَيُّنٍ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ حَبَّبَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ لِقَوْلِهِ: {حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ} وَيَكْرَهُونَ جَمِيعَ الْمَعَاصِي؛ الْكُفْرَ مِنْهَا وَالْفُسُوقَ وَسَائِرَ الْمَعَاصِي كَرَاهَةَ تَدَيُّنٍ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ كَرَّهَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ.
فهذه الآية تتضمن الإيمان بنوعيه، الواجب الذي لا يكون المرء مؤمناً إلا به، وكماله الذي يكون المرء به في جمع الصالحين المقتصدين.
ثم يبيّن الله - عز وجل - كذب هؤلاء المنافقين في دعوى الطاعة، فيقول: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ}.
يفسّر ابن كثير - رحمه الله - هذه الآية على أن دعاءهم إلى الحكم إنما هو دعاؤهم إلى الطاعة، فقال في تفسيره:
وقوله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} أي: إذا طلبوا إلى اتباع الهدى، فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه. وهذه كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (*) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60، 61].
وابن كثير - رحمه الله - يحمل التولي المذكور في هذه الآية على تولي القلب ورده للحق .. وهذا ما كفر به إبليس اللعين. قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]
وهذه الآية تتضمن أيضاً النفاق الأصغر الذي محله الجوارح، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في آيات المنافق: {وإذا خاصم فجر} .. فلم يكن بفجوره كافراً حتى يعتقد ذلك .. والفجور هو التولي عن الحق.
ولارتباط الآية بما سبقها، فقد فسّر ابن كثير الحكم هنا بالطاعة والاتباع .. حيث إن أصل مسألة التحاكم هي الطاعة والاتباع، كما ذكرت ذلك فيما سبق .. وجعل علّة التكفير في هذه الآية هو إباء القلب، كما هو الحال في الذين نزلت فيهم سورة النساء.
وكما يلاحظ في هذه الآيات، كلها جاءت في سياق الطاعة لله ورسوله، كما جاءت الآيات في سورة النساء .. وقد لا تجد آية في القرآن يذكر فيها الحكم إلا وهو مقرون بالطاعة والاتباع.
فيكون تفسير الآيات الثلاث الأول هو: أن هؤلاء المنافقين كانوا يدّعون الطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يتولى فريق منهم عن ذلك بقلبه، ويأبى ويستكبر عن اتباع الحق. وعلامة هذا التولي والاستكبار أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليفض نزاعهم ويحكم في خلافهم، فإنهم يعرضون عنه وعن حكمه، لعلمهم أنه سيحكم عليهم بما يخالف أهواءهم.
وإذا علموا أن حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - موافق لهواهم، لأتوا إليه مذعنين طائعين.
فأصل المسألة هنا أنهم رغبوا عن التحاكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرغبتهم عن حكمه وعن طاعته واتباعه، رغبوا عنه بقلوبهم قبل أفعالهم، فكفروا بذلك.
يقول ابن كثير - رحمه الله -:
وقوله: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}، أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم، جاؤوا سامعين مطيعين، وهو معنى قوله: {مُذْعِنِينَ}، وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ليروج باطله ثَمّ. فإذعانه أولاً لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه؛ ولهذا لما خالف الحقّ قصده، عدل عنه إلى غيره؛ ولهذا قال تعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مَرَض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم. وأيّا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو عليه منطو من هذه الصفات.
وقوله: {بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك.
هذا، والله أعلم.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى
¥