وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)
يبدأ الله - عز وجل - كلامه بوصف حال المنافقين الذين يتولون عن طاعة الله ورسوله .. فإنهم يقولون: (أطعنا)، ثم يتولون من بعد ذلك .. كما قال الله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]
وكما قال تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 43]
وهذه الآية تحوي النوعين من الكفر، الأكبر والأصغر، بحسب نوع التولي .. فإن كان التولي بالفعل دون القلب، فهو كفر أصغر .. وإن كان بالقلب، فهو تكذيب، فهو كفر أكبر.
وقد يُحمل على التولي عن جنس الطاعة .. كحال من اتخذ إلهه هواه.
يقول ابن تيمية - رحمه الله - في تفسيره لمعنى التولي في هذه الآية في [مجموع الفتاوى: 7/ 142 - 143]:
وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}. و " التَّوَلِّي " هُوَ التَّوَلِّي عَنْ الطَّاعَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}. وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (*) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لَا يَصْلَاهَا إلَّا الْأَشْقَى (*) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} وَكَذَلِكَ قَالَ مُوسَى وَهَارُونُ: {إنَّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}. فَعُلِمَ أَنَّ " التَّوَلِّيَ " لَيْسَ هُوَ التَّكْذِيبَ، بَلْ هُوَ التَّوَلِّي عَنْ الطَّاعَةِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوا الرَّسُولَ فِيمَا أَخْبَرَ، وَيُطِيعُوهُ فِيمَا أَمَرَ. وَضِدُّ التَّصْدِيقِ التَّكْذِيبُ، وَضِدُّ الطَّاعَةِ التَّوَلِّي؛ فَلِهَذَا قَالَ: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (*) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} فَنَفَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَى بِالْقَوْلِ. وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} وَقَالَ: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}. فَفِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَمَّنْ لَمْ يَأْتِ بِالْعَمَلِ مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ، كَمَا نَفَى فِيهَا الْإِيمَانَ عَنْ الْمُنَافِقِ. وَأَمَّا الْعَالِمُ بِقَلْبِهِ مَعَ الْمُعَادَاةِ وَالْمُخَالَفَةِ الظَّاهِرَةِ فَهَذَا لَمْ يُسَمَّ قَطُّ مُؤْمِنًا؛ وَعِنْدَ الْجَهْمِيَّة إذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي قَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، إيمَانُهُ كَإِيمَانِ النَّبِيِّينَ، وَلَوْ قَالَ وَعَمِلَ مَاذَا عَسَى أَنْ يَقُولَ وَيَعْمَلَ؟ وَلَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ الْإِيمَانُ إلَّا إذَا زَالَ ذَلِكَ الْعِلْمُ مِنْ قَلْبِهِ.
ومعلوم أنه من يتولى عن طاعة الله تعالى بفعله وهو مصدق، فهو على مراتب، إما أن يكون كافراً أو فاسقاً أو عاصياً.
فهذه الآية جمعت بين هذه الأنواع الثلاث، ولكل امرئ متول عن الطاعة نصيب منها.
ويقول ابن تيمية أيضاً في [مجموع الفتاوى: 7/ 40 - 41]:
¥