أيضا مما يميز الفقه الحنبلي ابتعاده عن الفقه التقديري وهو فرض المسائل قبل وقوعها , بل إن الإمام أحمد كان يزجر السائلين عنها! ويتضح ذلك جليا فيما أورده ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية 2/ 76 – 80
كما أن إمامه شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف , كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
بل إنه يعظم الحديث وأهله فكان يدل السائلين على فقهاء الحديث وأصحاب مالك, ويمنع من استفتاء من يُعرض عن الحديث , ولا يبني مذهبه عليه , ولا يسوغ العمل بفتواه.
ثم إن من كان منهجه الدليل فإنه بعيد كل البعد عن التحكم العقلي , فالذي يقابل النص هو الرأي , ولا حرج في محاكمة الرأي إلى الدليل , لا محاكمة الدليل إلى الرأي والعقل! والذي يغلب عليه الضلال واتباع الهوى , وقد بيّن ذلك ابن قيم الجوزية رحمه الله في فاتحة كتابه إعلام الموقعين.
أخيرا وليس آخرا .. فإن مما يميز الفقه الحنبلي التيسير في الأحكام من العبادات والمعاملات والشروط والنكاح وغير ذلك , وهي نتيجة متوقعة لمن كان نهجه الدليل لأن الشريعة يسيرة سمحة!
**
ذكر الشيخ بكر رحمه الله أن التعريف بأي مذهب يعني:
معرفة إمام المذهب وعلماء المذهب , والأصول التي قام عليها , والمصطلحات فيه , وكتب المذهب المعتمدة , وكيفية نقله , وشروط معرفة المذهب وكيفية طلبه وتلقيه , وهذا ما لم أفعله في هذه المجالس لأن المقام يطول بذكرها لكن ذكرت ترجمة للإمام وذكر بعض تلامذته , وأصول المذهب والكتب المعتمدة فيه وذكر بعض المصطلحات؛ ولأنها مجالس شرعية عامة غير متخصصة كان هذا , فالأخيرة تحتاج لتدقيق وتمحيص وبحث ونظر دقيق حتى يكون مثمرا ولا يكون مكررا , وقد ذكر الشيخ بكر رحمه الله الكتب التي تعرف بالمذاهب فمن أراد الاستزادة فكرما يراجعها!
**
أصول المذهب:
قبل أن نبدأ بعدِّ الأصول , نذكر بفائدة وهي أن أول من كتب في أصول مذهب الحنابلة هو الحسن بن حامد في كتابه " تهذيب الأجوبة " وقد جمع أصول المذهب جمعا وافيا ابن بدران الدمشقي رحمه الله في كتابه " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل " قال عنه بكر رحمه الله:
وهو مغن عما سواه؛ لما فيه من التحقيق والتدقيق وجودة التفصيل والترتيب , وفي جملته شرح وبيان لكلمة ابن القيم الجامعة في بيان أصول مذهب أحمد.
والتي ذكرها بكر في كتابه كاملة ومنها أخذت الأصول وفيها أن فتاوى أحمد مبنية على خمسة أصول:
1) النصوص – ويراد بها الكتاب والسنة – فإذا وجد النص أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا مَنْ خالفه كائنا من كان.
ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا , ولا قول صاحب , ولا عدمَ علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس: إجماعا!
2) فتاوى الصحابة , فإذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها.
3) عند اختلاف الصحابة تخير من أقوالهم أقربها للكتاب والسنة , ولم يخرج عن أقوالهم , فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول.
4) الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف , إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه , وهو الذي رجحه على القياس , وليس المراد بالضعيف عنده: الباطلَ ولا المنكرَ ولا ما في روايته متهم , بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن , ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح , وحسن وضعيف , بل إلى صحيح وضعيف , وللضعيف عنده مراتب , فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب , ولا إجماعا على خلافه؛ كان العمل به عنده أولى من القياس.
وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة , فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس.
5) وإذا لم يكن في المسألة نص ولا قول للصحابة , أو واحد منهم , ولا أثر مرسل , أو ضعيف , عدل إلى القياس لضرورة معرفة الحكم.
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه , وعليها مدارها.
قال بكر رحمه الله: وقد أفردت " أصول مذهب الإمام أحمد " بكتاب بهذا العنوان للشيخ عبدالله بن عبدالمحسن التركي. وهو مطبوع.
¥